۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ٤٣

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣ أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤ أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥ ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨ لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِذَا رَأَوْك إِن يَتّخِذُونَك إِلا هُزُواً أَ هَذَا الّذِى بَعَث اللّهُ رَسولاً (41) إِن كادَ لَيُضِلّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْ لا أَن صبرْنَا عَلَيْهَا وَ سوْف يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَاب مَنْ أَضلّ سبِيلاً (42) أَ رَءَيْت مَنِ اتخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَ فَأَنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكيلاً (43) أَمْ تحْسب أَنّ أَكثرَهُمْ يَسمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كالأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضلّ سبِيلاً (44) أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّك كَيْف مَدّ الظلّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمّ جَعَلْنَا الشمْس عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمّ قَبَضنَهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَ هُوَ الّذِى جَعَلَ لَكُمُ الّيْلَ لِبَاساً وَ النّوْمَ سبَاتاً وَ جَعَلَ النهَارَ نُشوراً (47) وَ هُوَ الّذِى أَرْسلَ الرِّيَحَ بُشرَا بَينَ يَدَى رَحْمَتِهِ وَ أَنزَلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً طهُوراً (48) لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً وَ نُسقِيَهُ مِمّا خَلَقْنَا أَنْعَماً وَ أَنَاسىّ كثِيراً (49) وَ لَقَدْ صرّفْنَهُ بَيْنهُمْ لِيَذّكّرُوا فَأَبى أَكثرُ النّاسِ إِلا كفُوراً (50)

القراءة

قرأ البرجمي نسقيه بفتح النون و الباقون «نسقيه» بضم النون و في الشواذ قراءة الأعرج من اتخذ الألاهة هواه و قراءة ابن السميفع الرياح بشرى.

الحجة

قد مضى الفرق بين نسقي و نسقي فيما تقدم الألاهة الشمس و قيل ألهة بالضم غير مصروفة و أنشد

{تروحنا من اللعباء عصرا --- فأعجلنا الألاهة أن تصبا}

و يروى و أعجلنا الإلاهة و من قرأ و ألهتك فمعناه و عبادتك و قد يجوز أن يكون أراد هذه المعرفة فأضافها إليه لعبادته لها فيكون كقولك و يذرك و شمسك أي و الشمس التي تعبدها و من قرأ بشرى فهو مصدر وضع موضع الحال أي مبشرة كقولهم هلم جرا أي جارا أو منجرا و يأتينك سعيا و قد ذكرنا الاختلاف بين القراء فيه و ما لهم من الاحتجاج في كل وجه منه في سورة الأعراف و ذكرنا اختلافهم في «ليذكروا» في سورة بني إسرائيل.

اللغة

القبض جمع الأجزاء المنبسطة و اليسير السهل القريب و اليسير أيضا نقيض العسير و أيسر الرجل ملك من المال ما تتيسر به الأمور عليه و قيل اليد اليسرى لأنه يتيسر بها العمل مع اليمني و تياسر أخذ في جهة اليد اليسرى و السبات قطع العمل و منه سبت رأسه يسبته سبتا إذا حلقه و منه يوم السبت و هو يوم قطع العمل و النشر خلاف الطي و أناسي جمع إنسان جعلت الياء عوضا عن النون و قد قالوا أيضا أناسين و قد يجوز أيضا أن يكون جمع إنسي فيكون مثل كرسي و كراسي.

الإعراب

«أ هذا الذي بعث الله رسولا» العائد من الصلة إلى الموصول محذوف لطول الكلام أي بعثه الله «رسولا» منصوب على الحال من الهاء المحذوفة و «إن كاد ليضلنا» إن مخففة و اسمه محذوف تقديره أنه كاد و هو ضمير الأمر و الشأن و اللام في «ليضلنا» لام التأكيد التي تقع في خبر إن «كيف مد الظل» كيف في محل النصب على الحال من الضمير المستكن في مد و التقدير أ مبدعا مد الظل أم لا و يجوز أن يكون في موضع المصدر و التقدير أي مد مد الظل و قال الزجاج الأجود أن يكون «أ لم تر» من رؤية القلب و يجوز أن يكون من رؤية العين

و «بشرا» نصب على الحال في الوجوه كلها من الرياح و العامل فيه «أرسل».

«مما خلقنا» الجار و المجرور في موضع نصب على الحال.

المعنى

ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين وصفهم فيما تقدم فقال «و إذا رأوك» أي و إذا شاهدوك يا محمد «إن يتخذونك إلا هزوا» أي ما يتخذونك إلا مهزوا به و المعنى أنهم يستهزءؤن بك و يستصغرونك و يقولون على وجه السخرية «أ هذا الذي بعث الله رسولا» أي بعثه الله إلينا رسولا «إن كاد ليضلنا عن آلهتنا» قال ابن عباس معناه لقد كاد يصرفنا عن عبادة آلهتنا و تأويله قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة عبادة آلهتنا على وجه يؤدي إلى هلاكنا فإن الإضلال الأخذ بالشيء إلى طريق الهلاك «لو لا أن صبرنا عليها» أي على عبادتها لأزلنا عن ذلك و حذف الجواب لدلالة الكلام عليه فقال سبحانه متوعدا لهم «و سوف يعلمون حين يرون العذاب» الذي ينزل بهم في الآخرة عيانا «من أضل سبيلا» أي من أخطأ طريقا عن الهدى أ هم أم المؤمنون ثم عجب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من نهاية جهلهم فقال «أ رأيت من اتخذ إلهه هواه» أي من جعل إلهه ما يهواه و هو غاية الجهل و كان الرجل من المشركين يعبد الحجر و الصنم فإذا رأى أحسن منه رمى به و أخذ يعبد الآخر عن سعيد بن جبير و قيل معناه أ رأيت من ترك عبادة خالقه و إلهه ثم هوى حجرا فعبده ما حاله عندك عن عطاء عن ابن عباس و قيل من أطاع هواه و اتبعه فهو كالإله له و ترك الحق عن القتيبي «أ فأنت تكون عليه وكيلا» أي أ فأنت كفيل حافظ يحفظه من اتباع هواه و عبادة ما يهواه من دون الله أي لست كذلك و قيل معناه أ تقدر أنت يا محمد أن تهديه إذا لم يتدبر و لم يتفكر أي لا تقدر على ذلك لأن الوكيل هو الكافي للشيء و لا يكون كذلك إلا و هو قادر عليه ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «أم تحسب» يا محمد «أن أكثرهم يسمعون» ما تقوله سماع طالب للأفهام «أو يعقلون» ما تقوله لهم و تقرأ عليهم و ما يعاينونه من المعجزات و الحجج أي لا تظن ذلك «إن هم إلا كالأنعام» أي ما هم إلا كالبهائم التي تسمع النداء و لا تعقل «بل هم أضل سبيلا» من الأنعام لأنهم مكنوا من المعرفة فلم يعرفوا و الأنعام لم يمكنوا منها و لأن الأنعام ألهمت منافعها و مضارها فهي لا تفعل ما يضرها و هؤلاء عرفوا طريق الهلاك و النجاة و سعوا في هلاك أنفسهم و تجنبوا سبيل نجاتهم فهم أضل منها ثم نبه سبحانه على النظر فيما يدل على وحدانيته و كمال قدرته فقال «أ لم تر» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المراد به سائر المكلفين «إلى ربك كيف مد الظل» أي أ لم تر إلى فعل ربك ثم حذف المضاف عن مقاتل و قيل معناه أ لم تعلم فيكون من رؤية القلب عن الزجاج و ذكر أن هذا على القلب و تقديره أ لم تر إلى الظل كيف مده ربك يعني الظل من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس عن ابن عباس و الضحاك

و سعيد بن جبير و جعله ممدودا لأنه لا شمس معه كما قيل في ظل الجنة ممدودا إذا لم تكن معه الشمس و قال أبو عبيدة الظل ما نسخته الشمس و هو بالغداة و الفيء من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها فيكون الظل بالليل لأنه ظل الأرض عن الجبائي و البلخي «و لو شاء لجعله ساكنا» أي مقيما دائما لا يزول و لا تنسخه الشمس يقال فلان يسكن بلد كذا إذا أقام به فهو مثل قوله سبحانه قل أ رأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة الآية في المعنى و في هذا إشارة إلى أنه قادر على تسكين الشمس حتى يبقى الظل ممدودا بخلاف ما يقوله الفلاسفة «ثم جعلنا الشمس عليه» أي على الظل «دليلا» قال ابن عباس تدل الشمس على الظل بمعنى أنه لو لا الشمس لما عرف الظل و لو لا النور لما عرفت الظلمة و كل الأشياء تعرف بأضدادها و قيل معناه ثم جعلنا الشمس عليه دليلا بإذهابها إياه عند مجيئها عن ابن زيد و قيل لأن الظل يتبع الشمس في طوله و قصره كما يتبع السائر الدليل فإذا ارتفعت الشمس قصر الظل و إذا انحطت الشمس طال الظل و قيل إن على هنا بمعنى مع فالمعنى ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلا على وحدانيتنا «ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا» أي قبضنا الظل بارتفاع الشمس لأن الشمس كلما تعلو ينقص الظل فجعل سبحانه ذلك قبضا و أخبر أن ذلك يسير بمعنى أنه سهل عليه لا يعجزه قال الكلبي إذا طلعت الشمس قبض الله الظل قبضا خفيا و المعنى ثم جمعنا أجزاء الظل المنبسط بتسليط الشمس عليه حتى ننسخها شيئا فشيئا و قيل معناه ثم قبضنا الظل بغروب الشمس إلينا أي إلى الموضع الذي حكمنا بكون الظل فيه.

قبضا يسيرا أي خفيا و إنما قيل ذلك لأن الظل لا يذهب بغروب الشمس دفعة بل يذهب جزءا فجزأ بحدوث الظلام فكلما حدث جزء من الظلام نقص جزء من الظل «و هو الذي جعل لكم الليل لباسا» أي غطاء ساترا للأشياء بالظلام كاللباس الذي يشتمل على لابسه فالله سبحانه ألبسنا الليل و غشانا به لنسكن و نستريح من كد الأعمال كما قال في موضع آخر لتسكنوا فيه «و النوم سباتا» أي راحة لأبدانكم و قطعا لأعمالكم قال الزجاج السبات أن ينقطع عن الحركة و الروح في بدنه «و جعل النهار نشورا» لانتشار الروح باليقظة فيه مأخوذ من نشور البعث و قيل لأن الناس ينتشرون فيه لطلب حوائجهم و معايشهم فيكون النشور هنا بمعنى التفرق لابتغاء الرزق عن ابن عباس «و هو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته» مضى الكلام فيه في سورة الأعراف «و أنزلنا من السماء ماء طهورا» أي طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره مزيلا للأحداث و النجاسات «لنحيي به بلدة ميتا» قد مات بالجدب و أراد بالبلدة البلد أو المكان فلذلك قال ميتا بالتذكير و المعنى لنحيي بالمطر بلدة ليس فيها نبت قال ابن عباس لنخرج به النبات و الثمار «و نسقيه مما خلقنا أنعاما» أي و لنسقي من ذلك

الماء أنعاما جمة أو نجعله سقيا لأنعام «و أناسي كثيرا» أي أناسا كثيرة «و لقد صرفناه» أي صرفنا المطر بينهم يدور في جهات الأرض و قيل قسمناه بينهم يعني المطر فلا يدوم على مكان فيهلك و لا ينقطع عن مكان فيهلك و يزيد لقوم و ينقص لآخرين على حسب المصلحة «ليذكروا» أي ليتفكروا و يستدلوا به على سعة مقدورنا و لأنه لا يستحق العبادة غيرنا «فأبى أكثر الناس إلا كفورا» أي جحودا لما عددناه من النعم و إنكارا فيقولون مطرنا بنوء كذا و كذا عن عكرمة و قيل فأبوا إلا كفورا بالبعث و النشور.