۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفرقان، آية ١٣

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢ وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣ لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤ قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥ لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦ وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧ قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨ فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بَلْ كَذّبُوا بِالساعَةِ وَ أَعْتَدْنَا لِمَن كذّب بِالساعَةِ سعِيراً (11) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مّكانِ بَعِيدٍ سمِعُوا لهََا تَغَيّظاً وَ زَفِيراً (12) وَ إِذَا أُلْقُوا مِنهَا مَكاناً ضيِّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْا هُنَالِك ثُبُوراً (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كثِيراً (14) قُلْ أَ ذَلِك خَيرٌ أَمْ جَنّةُ الْخُلْدِ الّتى وُعِدَ الْمُتّقُونَ كانَت لهَُمْ جَزَاءً وَ مَصِيراً (15) لهُّمْ فِيهَا مَا يَشاءُونَ خَلِدِينَ كانَ عَلى رَبِّك وَعْداً مّسئُولاً (16) وَ يَوْمَ يَحْشرُهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَقُولُ ءَ أَنتُمْ أَضلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضلّوا السبِيلَ (17) قَالُوا سبْحَنَك مَا كانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نّتّخِذَ مِن دُونِك مِنْ أَوْلِيَاءَ وَ لَكِن مّتّعْتَهُمْ وَ ءَابَاءَهُمْ حَتى نَسوا الذِّكرَ وَ كانُوا قَوْمَا بُوراً (18) فَقَدْ كذّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَستَطِيعُونَ صرْفاً وَ لا نَصراً وَ مَن يَظلِم مِّنكمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كبِيراً (19) وَ مَا أَرْسلْنَا قَبْلَك مِنَ الْمُرْسلِينَ إِلا إِنّهُمْ لَيَأْكلُونَ الطعَامَ وَ يَمْشونَ فى الأَسوَاقِ وَ جَعَلْنَا بَعْضكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصبرُونَ وَ كانَ رَبّك بَصِيراً (20)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن كثير و حفص و يعقوب «و يوم يحشرهم» بالياء و الباقون بالنون و قرأ ابن عامر فنقول بالنون و الباقون بالياء و قرأ أبو جعفر و زيد عن يعقوب أن نتخذ بضم النون و فتح الخاء و هو قراءة زيد بن ثابت و أبي الدرداء و روي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) و زيد بن علي و الباقون «نتخذ» بفتح النون و كسر الخاء و روي بعضهم عن ابن كثير فقد كذبوكم بما يقولون بالياء و القراءة المشهورة بالتاء و قرأ حفص «فما تستطيعون» بالتاء و الباقون بالياء و روي عن علي (عليه السلام) و يمشون في الأسواق بضم الياء و فتح الشين المشددة.

الحجة

قال أبو علي حجة من قرأ «يحشرهم» بالياء قوله «كان على ربك وعدا مسئولا» و يوم يحشرهم ربك و من قرأ نحشرهم بالنون «فيقول» بالياء فعلى أنه أفرد بعد أن جمع كما أفرد بعد الجمع في قوله و آتينا موسى الكتاب إلى قوله إلا تتخذوا من دوني وكيلا و قراءة ابن عامر و يوم نحشرهم فنقول حسن لإجرائه المعطوف مجرى المعطوف عليه في لفظ الجمع قال ابن جني من قرأ أن نتخذ بضم النون فإن قوله «من أولياء» في موضع الحال أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء و دخلت من زائدة لمكان النفي تقول اتخذت زيدا وكيلا فإن نفيت قلت ما اتخذت زيدا من وكيل و كذلك أعطيته درهما و ما أعطيته من درهم و هذا في المفعول به و أما قراءة الجماعة «أن نتخذ من دونك من أولياء» فإن قوله «من أولياء» في موضع المفعول أي أولياء فهو كقولك ضربت رجلا فإن نفيت قلت ما ضربت من رجل و المعنى في قوله «ما كان ينبغي لنا أن نتخذ» لسنا ندعي استحقاق الولاء و لا العبادة لنا و المعنى في قوله «فقد كذبوكم بما تقولون» بالتاء كذبوكم في قولكم أنهم شركاء و أنهم آلهة و ذلك في قولهم تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون و من قرأ بما يقولون بالياء فالمعنى فقد كذبوكم أي ما كنتم تعبدون بقولهم و قولهم هو نحو ما قالوه في قوله و قال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون و قوله فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون و قوله فما يستطيعون بالياء معناه فما يستطيع الشركاء صرفا و لا نصرا لكم و من قرأ بالتاء فمعناه فما تستطيعون أنتم أيها المتخذون للشركاء من دونه صرفا

و لا نصرا و من قرأ يمشون فمعناه يدعون إلى المشي و يحملهم حامل على المشي و جاء على فعل لتكثير فعلهم لأنهم جماعة.

اللغة

السعير النار الملتهبة مأخوذة من إسعار النار و هو شدة إيقادها أسعرتها إسعارا و سعرها الله تسعيرا و التغيظ الهيجان و الغليان و منه قيل لشدة الغضب الغيظ و مقرنين مأخوذ من القرن و هو الحبل يشد فيه بعيران أو أبعرة ثم يستعمل في كل مجتمعين و الثبور الهلاك و ثبر الرجل فهو مثبور أهلك قال ابن الزبعري:

{إذ أجاري الشيطان في سنن الغي --- و من مال ميلة مثبور}

و يقال ما خبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه فكان المثبور ممنوع من كل خير حتى هلك و البور الهلكى و هو جمع الباير و قيل هو مصدر لا يثنى و لا يجمع و لا يؤنث قال ابن الزبعري:

{يا رسول المليك إن لساني --- راتق ما فتقت إذ أنا بور}

و أصل الباب من بارت السلعة تبور إذا كسدت فلا تشترى فكأنها بقيت و فسدت.

الإعراب

«مكانا» ظرف لألقى.

«مقرنين» نصب على الحال.

«ثبورا» مصدر فعل محذوف تقديره ثبر ثبورا.

و «دعوا» هنا بمعنى قالوا و «هنالك» يحتمل أن يكون ظرف زمان و أن يكون ظرف مكان أي دعوا في ذلك اليوم أو في ذلك المكان.

«كانت لهم جزاء و مصيرا» في موضع نصب على الحال من وعد و قد مضمرة و ذو الحال الضمير المحذوف العائد من الصلة إلى الموصول.

###

«لهم فيها ما يشاءون» جملة أخرى في موضع الحال من قوله «المتقون» «و ما أرسلنا قبلك من المرسلين» مفعول أرسلنا محذوف تقديره و ما أرسلنا قبلك رسلا و يدل عليه قوله «من المرسلين» «إلا أنهم ليأكلون الطعام» إن مع اسمه و خبره مستثنى عن الرسل المحذوفة تقديره و ما أرسلنا قبلك رسلا إلا هم يأكلون الطعام و هذا كما يقال ما قدم علينا أمير إلا أنه مكرم لي و ليست كسرة أن لأجل اللام فإن دخولها و خروجها واحد في هذا الموضع و قيل ما في الآية كقول الشاعر:

{ما أعطياني و لا سألتهما --- إلا و إني لحاجز كرمي}

المعنى

ثم بين سبحانه سوء اعتقادهم و ما أعده لهم على قبيح فعالهم و مقالهم فقال «بل كذبوا بالساعة» أي ما كذبوك لأنك تأكل الطعام و تمشي في الأسواق بل لأنهم لم

يقروا بالبعث و النشور و الثواب و العقاب «و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا» أي نارا تتلظى ثم وصف ذلك السعير فقال «إذا رأتهم من مكان بعيد» أي من مسيرة مائة عام عن السدي و الكلبي و قال أبو عبد الله (عليه السلام) من مسيرة سنة و نسب الرؤية إلى النار و إنما يرونها هم لأن ذلك أبلغ كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا و ذلك قوله «سمعوا لها تغيظا و زفيرا» و تغيظها تقطعها عند شدة اضطرابها و زفيرها صوتها عند شدة التهابها كالتهاب الرجل المغتاظ و التغيظ لا يسمع و إنما يعلم بدلالة الحال عليه و قيل معناه سمعوا لها صوت تغيظ و غليان قال عبيد بن عمير أن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي و لا ملك إلا خر لوجهه و قيل التغيظ للنار و الزفير لأهلها كأنه يقول رأوا للنار تغيظا و سمعوا لأهلها زفيرا «و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا» معناه و إذا ألقوا من النار في مكان ضيق يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح عن أكثر المفسرين و في الحديث قال (عليه السلام) في هذه الآية و الذي نفسي بيده أنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط «مقرنين» أي مصفدين قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال و قيل قرنوا مع الشياطين في السلاسل و الأغلال عن الجبائي «دعوا هنالك ثبورا» أي دعوا بالويل و الهلاك على أنفسهم كما يقول القائل وا ثبورا أي وا هلاكاه و قيل وا انصرافاه عن طاعة الله فتجيبهم الملائكة «لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا و ادعوا ثبورا كثيرا» أي لا تدعوا ويلا واحدا و ادعوا ويلا كثيرا أي لا ينفعكم هذا و إن كثر منكم قال الزجاج معناه هلاككم أكبر من أن تدعوا مرة واحدة «قل» يا محمد «أ ذلك» يعني ما ذكره من السعير «خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت» تلك الجنة «لهم جزاء» على أعمالهم «و مصيرا» أي مرجعا و مستقرا «لهم فيها ما يشاءون» و يشتهون من المنافع و اللذات «خالدين» مؤبدين لا يفنون فيها «كان على ربك وعدا مسئولا» قال ابن عباس معناه أن الله سبحانه وعد لهم الجزاء فسألوه الوفاء فوفى و قيل معناه أن الملائكة سألوا الله تعالى ذلك لهم فأجيبوا إلى مسألتهم و ذلك قولهم ربنا و أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم عن محمد بن كعب و قيل أنهم سألوا الله تعالى في الدنيا الجنة بالدعاء فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا و أتاهم ما طلبوا «و يوم يحشرهم» أي يجمعهم «و ما يعبدون من دون الله» يعني عيسى و عزير و الملائكة عن مجاهد و قيل يعني الأصنام عن عكرمة و الضحاك «فيقول» الله تعالى لهؤلاء المعبودين «أ أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل» أي طريق الجنة و النجاة «قالوا» يعني المعبودين من الملائكة و الإنس أو الأصنام إذا أحياهم الله و أنطقهم «سبحانك» تنزيها لك عن الشريك و عن أن يكون معبود سواك «ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء» أي ليس لنا أن نوالي أعداءك بل أنت ولينا من

###

دونهم و قيل معناه ما كان يجوز لنا و للعابدين و ما كان يحق لنا أن نأمر أحدا بأن يعبدنا و لا يعبدك فإنا لو أمرناهم بذلك لكنا واليناهم و نحن لا نوالي من يكفر بك و من قرأ نتخذ فمعناه ما كان يحق لنا أن نعبد «و لكن متعتهم و آبائهم حتى نسوا الذكر» معناه و لكن طولت أعمارهم و أعمار آبائهم و متعتهم بالأموال و الأولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الأنبياء و تركوه «و كانوا قوما بورا» أي هلكى فاسدين هذا تمام الحكاية عن قول المعبودين من دون الله فيقول الله سبحانه عند تبرء المعبودين من عبدتهم «فقد كذبوكم» أي كذبكم المعبودون أيها المشركون «بما تقولون» أي بقولكم أنهم آلهة شركاء لله و من قرأ بالياء فالمعنى فقد كذبوكم بقولهم «سبحانك ما كان ينبغي لنا» الآية فما يستطيعون صرفا أي فما يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم «و لا نصرا» لكم بدفع العذاب عنكم و من قرأ بالتاء فالمعنى فما تستطيعون أيها المتخذون الشركاء صرف العذاب عن أنفسكم و لا أن تنصروا أنفسكم بمنعها من العذاب «و من يظلم منكم» نفسه بالشرك و ارتكاب المعاصي «نذقه» في الآخرة «عذابا كبيرا» أي شديدا عظيما ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «و ما أرسلنا قبلك» يا محمد «من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام و يمشون في الأسواق» قال الزجاج و هذا احتجاج عليهم في قوله «ما ل هذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق» أي فقل لهم كذلك كان من خلا من الرسل فكيف يكون محمد بدعا منهم «و جعلنا بعضكم لبعض فتنة» أي امتحانا و ابتلاء و هو افتتان الفقير بالغني يقول لو شاء الله لجعلني مثله غنيا و الأعمى بالبصير يقول لو شاء الله لجعلني مثله بصيرا و كذلك السقيم بالصحيح عن الحسن و قيل هو ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا من موالينا و رذالنا فقال الله لهؤلاء الفقراء «أ تصبرون» أيها الفقراء على الأذى و الاستهزاء «و كان ربك بصيرا» إن صبرتم فاصبروا فأنزل الله فيهم إني جزيتهم اليوم بما صبروا عن مقاتل و قيل معناه أ تصبرون أيها الفقراء على فقركم و لا تفعلون ما يؤدي إلى مخالفتنا أ تصبرون أيها الأغنياء فتشكرون و لا تفعلون ما يؤدي إلى مخالفتنا «و كان ربك بصيرا» أي عليما فيغني من أوجبت الحكمة إغناءه و يفقر من أوجبت الحكمة إفقاره و قيل بصيرا بمن يصبر و بمن يجزع عن ابن جريج.