۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النصر، آية ١

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ (1) وَ رَأَيْت النّاس يَدْخُلُونَ فى دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك وَ استَغْفِرْهُ إِنّهُ كانَ تَوّابَا (3)

الإعراب

مفعول جاء محذوف و التقدير إذا جاءك نصر الله و جواب إذا محذوف و التقدير إذا جاء نصر الله حضر أجلك و قيل جوابه الفاء في قوله فسبح و أفواجا منصوب على الحال.

المعنى

«إذا جاء» يا محمد «نصر الله» على من عاداك و هم قريش «و الفتح» فتح مكة و هذه بشارة من الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر و الفتح قبل وقوع الأمر «و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا» أي جماعة بعد جماعة و زمرة بعد زمرة و المراد بالدين الإسلام و التزام أحكامه و اعتقاد صحته و توطين النفس على العمل به قال الحسن: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة قالت العرب أما إذا ظفر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل الحرم و قد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان أي طاقة فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا أو اثنين فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام و قيل في دين الله أي في طاعة الله و طاعتك و أصل الدين الجزاء ثم يعبر به عن الطاعة التي يستحق بها الجزاء كما قال سبحانه في دين الملك أي في طاعته «فسبح بحمد ربك و استغفره» هذا أمر من الله سبحانه بأن ينزه عمالا يليق به من صفات النقص و أن يستغفره و وجه وجوب ذلك بالنصر و الفتح أن النعمة تقتضي القيام بحقها و هو شكر المنعم و تعظيمه و الائتمار بأوامره و الانتهاء عن معاصيه فكأنه قال قد حدث أمر يقتضي الشكر و الاستغفار و إن لم يكن ثم ذنب فإن الاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينافي الإصرار و قد يكون على وجه التسبيح و الانقطاع إلى الله عز و جل «إنه كان توابا» يقبل توبة من بقي كما قبل توبة من مضى قال مقاتل لما نزلت هذه السورة قرأها (صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه ففرحوا و استبشروا و سمعها العباس فبكى فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما يبكيك يا عم فقال أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رؤي فيهما ضاحكا مستبشرا قال و هذه السورة تسمى سورة التوديع و قال ابن عباس: لما نزلت إذا جاء نصر الله قال: نعيت إلي نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة و اختلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك و ليس في ظاهره نعي فقيل لأن التقدير فسبح بحمد ربك فإنك حينئذ لاحق بالله و ذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل و عند الكمال يرقب الزوال كما قيل

إذا تم أمر بدا نقصه

توقع زوالا إذا قيل تم و قيل لأنه سبحانه أمره بتجديد التوحيد و استدراك الفائت بالاستغفار و ذلك مما يلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار و عن عبد الله مسعود قال: لما نزلت السورة كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول كثيرا سبحانك اللهم و بحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم و عن أم سلمة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآخرة لا يقوم و لا يقعد و لا يجيء و لا يذهب إلا قال سبحان الله و بحمده أستغفر الله و أتوب إليه فسألناه عن ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) إني أمرت بها ثم قرأ إذا

جاء نصر الله و الفتح و في رواية عائشة: أنه كان يقول سبحانك اللهم و بحمدك أستغفرك و أتوب إليك.

حديث فتح مكة

لما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أدخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و دخلت بنو بكر في عقد قريش و كان بين القبيلتين شر قديم ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر و خزاعة مقاتلة و رفدت قريش بني بكر بالسلاح و قاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا و كان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة و كان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه و هو في المسجد بين ظهراني القوم فقال:

{لا هم إني ناشد محمدا} {حلف أبينا و أبيه الأتلدا} {إن قريشا أخلفوك الموعدا} {و نقضوا ميثاقك المؤكدا} {و قتلونا ركعا و سجدا}

فقال رسول الله: حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة و قال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل و هو يقول لا نصرت أن لم أنصر بني كعب و هم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروه بما أصيب منهم و مظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة و قد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد و يزيد في المدة و سيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان بعسفان و قد بعثته قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليشدد العقد فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل قال: سرت في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته و أخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله تعالى لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد احقن دم قومك و أجر بين قريش و زدنا في المدة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أ غدرتم يا أبا سفيان قال: لا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش قال: ويحك واحد يجير على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم لقي

عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أ رغب بهذا الفراش عني فقالت نعم هذا فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كنت لتجلس عليه و أنت رجس مشرك ثم خرج فدخل على فاطمة (عليها السلام) فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش و تزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس فقالت: جواري جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أ تأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس قالت: و الله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس و ما يجير على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي (عليه السلام): إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد و أجر بين قريش ثم الحق بإرضك قال و ترى ذلك مغنيا عني شيئا قال: لا و الله ما أظن ذلك و لكن لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراك فأخبرهم بالقصة فقالوا: و الله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت قال: لا و الله ما وجدت غير ذلك قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهاز لحرب مكة و أمر الناس بالتهيئة و قال: اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها و كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر من السماء فبعث عليا (عليه السلام) و الزبير حتى أخذ كتابه من المرأة و قد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة ثم استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا ذر الغفاري و خرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين و نحو من أربعمائة فارس و لم يتخلف من المهاجرين و الأنصار عنه أحد و قد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و عبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنيق العقاب فيما بين مكة و المدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك و ابن عمتك و صهرك قال: لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهتك عرضي و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك و مع أبي سفيان بني له فقال: و الله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا و جوعا فلما بلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رق لهما فأذن لهما فدخلا عليه فأسلما فلما نزل رسول الله مر الظهران و قد غمت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار و قد قال العباس ليلتئذ يا سوء صباح قريش و الله لئن بغتها رسول الله في بلادها فدخل مكة عنوة أنه لهلاك

###

قريش إلى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله و قال أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فنخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه قال العباس: فو الله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء و سمعت أبا سفيان يقول: و الله ما رأيت كالليلة قط نيرانا فقال بديل: هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان: خزاعة الأم من ذلك قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال أبو الفضل فقلت نعم قال لبيك فداك أبي و أمي ما وراك فقلت هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال فما تأمرني فقلت تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال يعني عمر يا أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد ثم اشتد نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة و سبقت عمر بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء فدخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد و لا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم إني جلست إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أخذت برأسه و قلت و الله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلا يا عمر فو الله ما يصنع هذا الرجل إلا أنه رجل من آل بني عبد مناف و لو كان من عدي بن كعب ما قلت هذا قال مهلا يا عباس فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) اذهب فقد أمناه حتى تغدو به علي في الغداة قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبي أنت و أمي ما أوصلك و أكرمك و أرحمك و أحلمك و الله لقد ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر و يوم أحد فقال ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول الله فقال بأبي أنت و أمي أما هذه فإن في النفس منها شيئا قال العباس فقلت له ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي و مر عليه القبائل قبيلة قبيلة و هو يقول من هؤلاء و أقول أسلم و جهينة و فلان حتى مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتيبة الخضراء من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء يا أبا الفضل قلت هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهاجرين و الأنصار فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقلت ويحك إنها النبوة فقال نعم إذا و جاء حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أسلما

و بايعاه فلما بايعاه بعثهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام و قال من دخل دار أبي سفيان و هي بأعلى مكة فهو آمن و من دخل دار حكيم و هي بأسفل مكة فهو آمن و من أغلق بابه و كف يده فهو آمن و لما خرج أبو سفيان و حكيم من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير بن العوام و أمره على خيل المهاجرين و أمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون و قال له لا تبرح حتى آتيك ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة و ضربت هناك خيمته و بعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمته و بعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضائه و بني سليم و أمره أن يدخل أسفل مكة و يغرز رايته دون البيوت و أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا أن يكفوا أيديهم و لا يقاتلوا إلا من قاتلهم و أمرهم بقتل أربعة نفر عبد الله بن سعد بن أبي سرح و الحويرث بن نفيل و ابن خطل و مقبس بن ضبابة و أمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فقتل علي (عليه السلام) الحويرث بن نفيل و إحدى القينتين و أفلتت الأخرى و قتل مقبس بن ضبابة في السوق و أدرك ابن خطل و هو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث و عمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله قال و سعى أبو سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أخذ غرزه أي ركابه فقبله ثم قال بأبي أنت و أمي أ ما تسمع ما يقول سعد إنه يقول

اليوم يوم الملحمة

اليوم تسبى الحرمة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) أدركه فخذ الراية منه و كن أنت الذي يدخل بها و أدخلها إدخالا رفيقا فأخذها علي (عليه السلام) و أدخلها كما أمر و لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة دخل صناديد قريش الكعبة و هم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم و أتى رسول الله و وقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ألا أن كل مال أو مأثرة و دم تدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة و سقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما ألا أن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي و لم تحل لي إلا ساعة من نهار و هي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها و لا يقطع شجرها و لا يفر صيدها و لا تحل لقطتها إلا لمنشد ثم قال ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم و طردتم و أخرجتم و آذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما أنشروا من القبور و دخلوا في الإسلام و كان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئا فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء و جاء ابن الزبعري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أسلم و قال:

{يا رسول الإله إن لساني --- راتق ما فتقت إذ أنا بور} {إذ أباري الشيطان في سنن الغي --- و من مال ميلة مثبور} {أمن اللحم و العظام لربي --- ثم نفسي الشهيد أنت النذير}

و عن ابن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح و حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده و يقول جاء الحق و ما يبديء الباطل و ما يعيد جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا و عن ابن عباس قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة فأمر بها فأخرجت صورة إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و في أيديهما الأزلام فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قاتلهم الله أما و الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.