۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الهمزة، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ ١ ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ ٢ يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ ٣ كـَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ ٤ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحُطَمَةُ ٥ نَارُ ٱللَّهِ ٱلۡمُوقَدَةُ ٦ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلۡأَفۡـِٔدَةِ ٧ إِنَّهَا عَلَيۡهِم مُّؤۡصَدَةٞ ٨ فِي عَمَدٖ مُّمَدَّدَةِۭ ٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَيْلٌ لِّكلِّ هُمَزَةٍ لّمَزَةٍ (1) الّذِى جَمَعَ مَالاً وَ عَدّدَهُ (2) يحْسب أَنّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) َكلا لَيُنبَذَنّ فى الحُْطمَةِ (4) وَ مَا أَدْرَاك مَا الحُْطمَةُ (5) نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الّتى تَطلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ (7) إِنهَا عَلَيهِم مّؤْصدَةٌ (8) فى عَمَدٍ مّمَدّدَةِ (9)

القراءة

قرأ أهل البصرة و ابن كثير و نافع و عاصم «جمع» بالتخفيف و الباقون جمع بالتشديد «مؤصدة» و ذكرناه في سورة البلد و قرأ أهل الكوفة غير حفص في عمد بضمتين و الباقون «في عمد» بفتح العين و الميم.

الحجة

قال أبو الحسن: المثقلة أكثر تقول فلان يجمع المال من هنا و من هنا قال أبو عمرو: و جمع خفيفة إذا أكثر و إذا ثقل فإنما هو شيء بعد شيء قال أبو علي: و قد يجوز أن يكون جمع لما يجمع فيما قرب من الوقت و لم يجمع شيئا بعد شيء قال سبحانه و نفخ في الصور فجمعناهم جمعا و قال الأعشى:

{و لمثل الذي جمعت لريب الدهر --- لا مسند ولا زمال}

والأشبه أن تكون أداة الحرب لا تجمع في وقت واحد و إنما هو شيء بعد شيء فيجوز على هذا أن يكون شيئا بعد شيء في قول من خفف كما تقول ذلك في قول من ثقل و من قرأ عمد جعله جمعا لعمود مثل قدوم و قدم و زبور و زبر و من قال «عمد» فإنه جمع عمود أيضا كما قالوا أفق و أدم و أهب في جمع أفيق و أديم و إهاب و هذا اسم من أسماء الجمع غير مستمر و قد قالوا حارس و حرس و غائب و غيب و خادم و خدم و رائح و روح و هو في أنه غير مطرد مثل عمد.

اللغة

الهمزة الكثير الطعن على غيره بغير حق العائب له بما ليس بعيب و أصل الهمز الكسر فكان العائب بعيبه إياه و طعنه فيه يكسره و يهمزه و قيل لأعرابي أ تهمز الفأرة قال السنور تهمزها و كان الهمز في الكلام نبرة كالطعنة بقوة اعتمادها و اللمز العيب أيضا و الهمزة و اللمزة بمعنى و قد قيل بينهما فرق فإن الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب و اللمزة الذي يعيبك في وجهك عن الليث و قيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه و اللمزة الذي يكسر عينه على جليسه و يشير برأسه و يومىء بعينه و يقال لمزة يلمزه و يلمزه بكسر الميم و ضمها و رجل لماز و لمزة و هماز و همزة قال زياد الأعجم:

{تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا --- وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة}

والحطمة الكثير الحطم أي الأكل و رجل حطمة أكول و حطم الشيء إذا كسره و أذهبه قال:

{قد لفها الليل بسواق حطم --- ليس براعي إبل و لا غنم}

و فعلة بناء المبالغة في صفة من يكثر منه الفعل و يصير عادة له تقول رجل نكحة كثير النكاح و ضحكة كثير الضحك و كذا همزة و لمزة و فعلة ساكنة العين يكون للمفعول به.

الإعراب

«الذي جمع» في موضع جر على البدل من همزة و لا يجوز أن يكون صفة لأنه معرفة و يجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني و في موضع رفع على إضمار هو و في حرف عبد الله ويل للهمزة اللمزة فعلى هذا الوجه يكون صفة.

«لينبذن» يعني الجامع للمال و روي في الشواذ عن الحسن لينبذان يعني الجامع و المال.

و «نار الله» تقديره هي نار الله.

المعنى

«ويل لكل همزة لمزة» هذا وعيد من الله سبحانه لكل مغتاب غياب مشاء بالنميمة مفرق بين الأحبة عن ابن عباس و عنه أيضا قال: الهمزة الطعان و اللمزة المغتاب و قيل الهمزة المغتاب و اللمزة الطعان عن سعيد بن جبير و قتادة و قيل الهمزة الذي يطعن في الوجه بالعيب و اللمزة الذي يغتاب عند الغيبة عن الحسن و أبي العالية و عطاء بن أبي رباح و قيل الهمزة الذي يهمز الناس بيده و يضربهم و اللمزة الذي يلمزهم بلسانه و بعينه عن ابن زيد «الذي جمع مالا و عدده» أي أحصاه عن الفراء و قيل عدده للدهور فيكون من العدة عن الزجاج يقال أعددت الشيء و عددته إذا أمسكته و قيل جمع مالا من غير حله و منعه من حقه و أعده ذخرا لنوائب دهره عن الجبائي و قيل أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة و كان يغتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ورائه و يطعن عليه في وجهه عن مقاتل و قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي و كان يلمز الناس و يغتابهم عن الكلبي ثم ذكر سبحانه طول أمله فقال «يحسب أن ماله أخلده» أي يظن أن ماله الذي جمعه يخلده في الدنيا و يمنعه من الموت فأخلده في معنى يخلده لأن قوله «يحسب» يدل عليه و إنما قال ذلك و إن كان الموت معلوما عند جميع الناس لأنه يعمل عمل من يتمنى ذلك و قيل «أخلده» بمعنى أوجب إخلاده و هذا كما يقال هلك فلان إذا حدث به سبب الهلاك و إن لم يقع هلاكه بعد ثم قال سبحانه «كلا» أي لا يخلده ماله و لا يبقى له و قيل معناه ليس الأمر كما حسب و قيل معناه حقا «لينبذن في الحطمة» أي ليقذفن و يطرحن من وصفناه في الحطمة و هي اسم من أسماء جهنم قال مقاتل: و هي تحطم العظام و تأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب ثم قال سبحانه «و ما أدراك ما الحطمة» تفخيما لأمرها ثم فسرها بقوله «نار الله الموقدة» أي المؤججة أضافها سبحانه إلى نفسه ليعلم أنها ليست كسائر النيران ثم وصفها بالإيقاد على الدوام «التي تطلع على الأفئدة» أي تشرف على القلوب فيبلغها ألمها و حريقها و قيل معناه أن هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا «إنها عليهم مؤصدة» يعني أنها على أهلها مطبقة يطبق أبوابها عليهم تأكيدا للإياس عن الخروج «في عمد ممددة» و هي جمع عمود و قال أبو عبيدة: كلاهما جمع عماد قال و هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار و قال مقاتل: أطبقت

الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع إليهم غمها و حرها فلا يفتح عليهم باب و لا يدخل عليهم روح و قال الحسن: يعني عمد السرادق في قوله و أحاط بهم سرادقها فإذا مدت تلك العمد أطبقت جهنم على أهلها نعوذ بالله منها و قال الكلبي: في عمد مثل السواري ممددة مطولة تمد عليهم و قال ابن عباس: هم في عمد أي في أغلال في أعناقهم يعذبون بها و روى العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الأحول عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أن الكفار و المشركين يعيرون أهل التوحيد في النار و يقولون ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا و ما نحن و أنتم إلا سواء قال فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للنبيين اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للمؤمنين اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله و يقول الله أنا أرحم الراحمين أخرجوا برحمتي كما يخرج الفراش قال ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ثم مدت العمد و أوصدت عليهم و كان و الله الخلود.