۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٨٨

التفسير يعرض الآيات ٨٧ إلى ٩٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧ فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩ وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠ قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١ قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣ قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤ قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥ قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَك بِمَلْكِنَا وَ لَكِنّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَهَا فَكَذَلِك أَلْقَى السامِرِى (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسداً لّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكمْ وَ إِلَهُ مُوسى فَنَسىَ (88) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَ لا يَمْلِك لهَُمْ ضرّا وَ لا نَفْعاً (89) وَ لَقَدْ قَالَ لهَُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنّمَا فُتِنتُم بِهِ وَ إِنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فَاتّبِعُونى وَ أَطِيعُوا أَمْرِى (90) قَالُوا لَن نّبرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسى (91) قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَك إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلّوا (92) أَلا تَتّبِعَنِ أَ فَعَصيْت أَمْرِى (93) قَالَ يَبْنَؤُمّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتى وَ لا بِرَأْسى إِنى خَشِيت أَن تَقُولَ فَرّقْت بَينَ بَنى إِسرءِيلَ وَ لَمْ تَرْقُب قَوْلى (94) قَالَ فَمَا خَطبُك يَسمِرِى (95) قَالَ بَصرْت بِمَا لَمْ يَبْصرُوا بِهِ فَقَبَضت قَبْضةً مِّنْ أَثَرِ الرّسولِ فَنَبَذْتُهَا وَ كذَلِك سوّلَت لى نَفْسى (96)

القراءة

قرأ أهل المدينة و الكوفة و عاصم «بملكنا» بالفتح و قرأ حمزة و الكسائي و خلف بملكنا بضم الميم و الباقون بملكنا بكسر الميم و قرأ ابن عامر و حفص و رويس «حملنا» بالضم و التشديد و الباقون حملنا بفتح الحاء و التخفيف و قرأ أهل الكوفة غير عاصم لم تبصروا بالتاء و الباقون بالياء و في الشواذ قراءة ابن مسعود و أبي و الحسن و قتادة و أبي رجاء و نصر بن عاصم

فقبصت قبصة بالصاد و روي عن الحسن أيضا قبضة بضم القاف.

الحجة

قال أبو علي في قوله بملكنا هذه ثلاث لغات و الكسر أكثر و الفتح لغة فيه و المعنى ما أخلفنا موعدك بملكنا الصواب و لكن لخطئنا فأضيف المصدر إلى الفاعل و حذف المفعول فأما من ضم الميم فإنه لا يخلو من أن يريد به مصدرا لملك أو يكون لغة في مصدر المالك فإن أريد الأول فالمعنى لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك لمكان ملكنا و يكون على هذا التقدير كقوله لا يسألون الناس إلحافا أي ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف فيها ليس أنه أثبت ملكا ما لم يثبت في قوله لا يسئلون الناس إلحافا مسألة منهم و مثل ذلك قول ابن أبي أحمر.

{لا تفزع الأرنب أهوالها --- و لا ترى الضب بها ينجحر}

أي ليس بها أرنب فيفزع لهولها و مثله قول ذي الرمة:

{لا تشتكي سقطة منها و قد رقصت --- بها المفاوز حتى ظهرها حدب}

أي ليس منها سقطة فتشتكي و قوله «حملنا» من حمل الإنسان الشيء و حملته إياه فمن قرأ «حملنا» فالمعنى جعلونا نحمل أوزار القوم و من قرأ حملنا أراد أنهم فعلوا ذلك و من قرأ «بما لم يبصروا» به بالياء فالمعنى بما لم يبصر به بنو إسرائيل و من قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى الجميع و القبض بالضاد باليد كلها و بالصاد بأطراف الأصابع و القبضة بالضم القدر المقبوض و القبضة فعلك أنت و قد ذكرنا الاختلاف في قوله «يا ابن أم» و الوجه في ذلك في سورة الأعراف.

اللغة

الوزر أصله الثقل و منه الوزر الذنب لأن صاحبه قد حمل به ثقلا و الوزر الحمل و الأوزار الأحمال و الأثقال و منه الأوزار للسلاح لأنها تثقل على لابسها و الخوار الصوت المتردد الشديد التردد كصوت البقر و نحوه و العكوف الإقامة و ملازمة الشيء و منه الاعتكاف في المسجد و رقب يرقب رقبانا و رقبة انتظر و المرقب المكان العالي الذي يقف عليه الرقيب و أرقبت فلانا داري و أعمرته و الاسم الرقبى و العمرى و بصر بالشيء يبصر إذا صار عليما به و أبصر يبصر إذا رأى.

الإعراب

«فكذلك ألقى السامري» الكاف صفة مصدر محذوف لألقى تقديره ألقى

السامري إلقاء مثل إلقائنا، جسدا بدل من عجل.

«أن لا يرجع» تقديره أ فلا يرون أن لا يرجع و يجوز أن ينصب يرجع بأن فيكون الناصبة للفعل و لا يكون أن المخففة من أن ضلوا جملة في موضع نصب على الحال و قد مضمرة «أ لا تتبعني» في موضع جر بمن المحذوف أو في موضع نصب على الخلاف فيه تقديره ما منعك من اتباعي و لا زائدة كما في قوله ما منعك أن لا تسجد.

المعنى

«قالوا» أي قال الذين لم يعبدوا العجل «ما أخلفنا موعدك بملكنا» أي و نحن نملك من أمرنا شيئا و المعنى إنا لم نطق رد عبدة العجل عن عظيم ما ارتكبوه للرهبة لكثرتهم و قلتنا و جاء في الرواية أن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا و الذين عبدوه كانوا ستمائة ألف رجل و من قرأ بملكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا و سلطاننا أي لم نقدر على ردهم «و لكنا حملنا أوزارا من زينة القوم» معناه و لكنا حملنا أثقالا من حلي آل فرعون و هو ما استعادوه من حليهم حين أرادوا السير و قيل هو ما ألقاه البحر على الساحل من ذهبهم و فضتهم و حليهم بعد إغراقهم فأخذوه و قيل هو من أثقال الذنوب و الآثام أي حملنا آثاما من حلي القوم لأنهم استعاروا حليا من القبط ليتزينوا بها في عيد كان لهم ثم لم يردوها عليهم عند الخروج من مصر مخافة أن يعلموا بخروجهم فحملوهم و كان ذلك ذنبا منهم إذ كانوا مستأمنين فيما بينهم و قيل إنهم كانوا في حكم الإسراء فيما بينهم فكان يحل لهم أخذ أموالهم فعلى هذا لا يمكن حمله على الإثم «فقذفناها» أي ألقيناها في النار لتذوب «فكذلك ألقى السامري» أيضا ليوهم أنه منهم عن الجبائي و قيل معناه فمثل ما ألقينا نحن من هذا الحلي في النار ألقى السامري أيضا فاتبعناه و قيل إن هذا كلام مبتدأ من الله حكى عنهم أنهم ألقوا ثم قال و كذلك ألقى السامري عن أبي مسلم «فأخرج لهم عجلا جسدا» أي أخرج لهم من ذلك عجلا جسيما «له خوار» أي صوت و قد ذكرنا صفة العجل في سورة الأعراف «فقالوا هذا إلهكم و إله موسى» أي قال السامري و من تبعه من السفلة و العوام هذا العجل معبودكم و معبود موسى «فنسي» فيه قولان ( أحدهما ) أنه من قول السامري و من تبعه أي نسي موسى أنه إله و هو قول ابن عباس و قتادة و مجاهد و السدي و الضحاك و قيل معناه فنسي أي ضل و أخطأ الطريق و قيل معناه أنه تركه هنا و خرج يطلبه ( و الثاني ) أنه قول الله تعالى أي فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من الإيمان الذي بعث الله به موسى عن ابن عباس أيضا و قيل معناه فنسي السامري الاستدلال على حدوث العجل و أنه لا يجوز أن يكون إلها و قيل فنسي السامري أي نافق و ترك الإسلام ثم احتج سبحانه عليهم فقال «أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا» أي أ فلا يرى بنو إسرائيل أن العجل الذي عبدوه و اتخذوه إلها لا يرد عليهم جوابا «و لا

يملك لهم ضرا و لا نفعا» و من كان بهذه الصفة فإنه لا يصلح للعبادة قال مقاتل لما مضى من موعد موسى خمسة و ثلاثون يوما أمر السامري بني إسرائيل أن يجمعوا ما استعاروه من حلي آل فرعون و صاغه عجلا في السادس و الثلاثين و السابع و الثامن و دعاهم إلى عبادته في التاسع فأجابوه و جاءهم موسى بعد استكمال الأربعين قال سعيد بن جبير كان السامري من أهل كرمان و كان مطاعا في بني إسرائيل و قيل كان من قرية يعبدون البقر فكان حب ذلك في قلبه و قيل كان من بني إسرائيل فلما جاوز البحر نافق فلما قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة اغتنمها و أخرج لهم العجل و دعاهم إليه عن قتادة «و لقد قال لهم هارون من قبل» أي من قبل عود موسى إليهم «يا قوم إنما فتنتم به» يعني أن الله تعالى شدد عليكم التعبد فاعلموا إلهكم و اعبدوه و لا تعبدوا العجل موعظة و نصحا و يحتمل أن يكون أراد فتنكم السامري به و أضلكم «و إن ربكم الرحمن فاتبعوني» أي اتبعوني فيما أدعوكم إليه «و أطيعوا أمري» في عبادة الله و لا تتبعوا السامري و لا تطيعوا أمره في عبادة العجل «قالوا لن نبرح عليه عاكفين» معناه لا نزال مقيمين على عبادته «حتى يرجع إلينا موسى» فننظر أ يعبده كما عبدناه أم لا فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا فلما رجع موسى (عليه السلام) و هو ممتلىء غيظا منهم و من عبادتهم العجل و سمع الصياح و الجلبة إذ كانوا يرقصون حول العجل و يضربون الدفوف و المزامير و استقبله هارون فألقى الألواح و أخذ يعاتب هارون «قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن» أي هلا تتبعني بمن أقام على إيمانه عن ابن عباس و قيل معناه هلا قاتلتهم إذ علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم و قيل هلا لحقت بي حين رأيتهم ضلوا بعبادة العجل قبل استحكام الأمر و الأصل أن لا مزيدة و تقديره ما منعك أن تتبعني «أ فعصيت أمري» فيما أمرتك به يريد قوله اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين فلما أقام معهم و لم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه و قيل إن صورته صورة الاستفهام و المراد به التقرير لأن موسى (عليه السلام) كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره ( سؤال ) متى قيل إن الظاهر يقتضي أن موسى كان أمره باللحاق به فعصى هارون أمره قلنا يجوز أن يكون أمره بذلك بشرط المصلحة و رأى هارون الإقامة أصلح و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب و يجوز أن يكون لم يأمره بذلك و إنما أمره بمجاهدتهم و زجرهم عن القبيح و إنما عاتبه مع أن اللوم توجه على القوم لأن أمره بمفارقتهم لوم عليهم و قيل إن موقع الذنب ممن عظمت رتبته أعظم فلما كان هارون أجل من خلفه موسى خصه باللائمة و هذا إنما يتجه إذا ثبت لهارون ذنب فأما و هو نقي الجيب من جميع الذنوب بريء الساحة من العيوب فالقول الأول هو الوجه «قال» هارون «يا بن أمي لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» قد فسرناه في سورة الأعراف و قيل كانت العادة جارية في القبض عليهما

في ذلك الزمان كما أن العادة في زماننا هذا القبض على اليد و المعانقة و ذلك مما تختلف العادة فيه بالأزمنة و الأمكنة و قيل إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته لأنه لم يكن يتهم عليه كما لا يتهم على نفسه ثم بين (عليه السلام) عذره في مقامه معهم فقال «إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل» يعني إني لو فارقتهم أو قاتلتهم لصاروا أحزابا و تفرقوا فرقا ففريق يلحقون بك معي و فريق يقيمون مع السامري على عبادة العجل و فريق يتوقفون شاكين في أمره مع أني لم آمن إن تركتهم أن يصيروا بالخلاف إلى تسافك الدماء و شدة التصميم و الثبات على اتباع السامري فإنهم كانوا يمتنعون بعض الامتناع بمكاني فيهم و كنت أوجه إليهم من الإنكار مقدار ما يتحمله الحال و ذلك قوله «يا قوم إنما فتنتم به» فاعتذر بما يقبل مثله لأنه وجه واضح من وجوه الرأي و قوله «و لم ترقب قولي» معناه و لم تحفظ وصيتي و لم تعمل به حين قلت اخلفني في قومي و أصلح و لما ظهرت براءة ساحة هارون أقبل على السامري «قال» له «فما خطبك يا سامري» أي ما شأنك و ما دعاك إلى ما صنعت فكأنه قال ما هذا الخطب و الأمر العظيم الذي أحدثت و ما حملك عليه «قال» السامري «بصرت بما لم يبصروا به» أي رأيت ما لم يروه و قيل معناه علمت ما لم يعلموا من البصيرة «فقبضت قبضة من أثر الرسول» أي قبضت قبضة تراب من أثر قدم جبرائيل «فنبذتها» في العجل «و كذلك» أي و كما حدثتك يا موسى «سولت لي نفسي» أي زينت لي نفسي من أخذ القبضة و إلقائها في صورة العجل و قيل معناه حدثتني نفسي فأما حديث العجل و ما الذي قبضه السامري و كيفية ذلك و اختلافهم فيه فقد سبق ذكره.