۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النور، آية ٥٩

التفسير يعرض الآية ٥٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ومن أدب العائلة أن يكون للزوجين أوقات خلوة ، لا يدخل عليهم من الخدم والأطفال أحد إلا بعد الاستئذان ، فقد تقدم لزوم الاستئذان لمن في خارج البيت إذا أراد الدخول ، وهنا يبين السياق لزوم الاستئذان لمن في داخل البيت إذا أراد الدخول في غرفة العائلة ، وذلك في ثلاثة أوقات ، هي قبل وقت صلاة الفجر ، وقبل وقت صلاة الظهر أو بعده ، وبعد وقت صلاة العشاء حيث أن في هذه الأوقات يستريح الإنسان ، وكثيرا ما تبدو العورات (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ) أي يلزم أن يطلبوا الإذن منكم إذا أرادوا الدخول في غرفتكم الخاصة ومحل استراحتكم (الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) وهم العبيد والإماء ، ونسبة الملك إلى اليمين لأن اليد ـ وبالأخص اليمين ـ هي العضو الكثير وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ____________________________________ العمل الذي يكتسب حتى ينفق الإنسان الثمن في شراء العبد (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) من الأطفال المميزين ، أما سائر الناس كالأولاد الكبار والأقرباء الذين يجمعهم دار واحدة ، فقد سكتت عنهم الآية لوضوح أنهم مردوعون ذاتا عن اقتراف الدخول بلا استئذان ، كما سيفهم من الآية الآتية. (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي في كل يوم (مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ) حيث الإنسان في فراش النوم ، أو يبدل ثوبه للخروج (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ) بعد الرجوع إلى الدار (مِنْ) بعد (الظَّهِيرَةِ) والمراد إما وقت القيلولة قبيل الظهر وإما وقت المنام بعد الظهر (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) حيث يخلع الإنسان ثيابه للمنام ، هذه (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ) وإنما سمي الأوقات بالعورة ، لانكشاف العورة في هذه الأوقات غالبا ، من باب الإسناد إلى السبب ، فالأوقات مبدية للعورة ، لا أنها عورة ، أو من باب الإسناد إلى الظرف ، فالأوقات ظرف لظهور العورة ، ولا يخفى أن الملاك موجود في غير هذه الأوقات الثلاث فيما جرت العادة بالخلوة فيها (لَيْسَ عَلَيْكُمْ) أيها المؤمنون (وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ) أي الخدم والغلمان (بَعْدَهُنَ) أي فيما بعد هذه الأوقات الثلاثة والمراد ببعدهن ، سائر الأوقات ، لا خصوص بعد المقابل لقبل ، نحو «من بعد الله» (طَوَّافُونَ) الطائف هو الذي يختلف إلى مكان ، ومنه سمي الطواف والسعي ، في الحج ، طوافا (عَلَيْكُمْ) بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ____________________________________ أولئك الخدم والغلمان ، ويظهر من الآية ، أن الجناح في الأوقات الثلاثة ليس خاصا بالطائف ، بل جناح على الزوجين أيضا ، كما أن الظاهر من الآية عموم الحكم حتى بالنسبة إلى غير الزوجين ممن يخلو بنفسه في غرفته ، لإطلاق الآية ، ووجود العلة (بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ) أي طواف بعضكم وهم الخدم والغلمان على بعض وهم الزوجان ومن إليهما ، ولعل الإتيان بهذه الجملة للإشارة إلى أنه لا ينبغي التحشم في غير الأوقات الثلاثة ، ألستم جميعا بعض من كل؟ وهذا لبيان الأدب المتوسط بين الإفراط لمن يأذن حتى في هذه الأوقات ـ كما نرى عند بعض الجاهلين في هذا الزمان ـ وبين التفريط لمن لا يأذن حتى في غير هذه الأوقات ترفعا وأنفة ، أو المراد طوافكم عليهم لطلب الحاجة والتربية ، وطوافهم عليكم للخدمة ، وكما بين الله لكم هذا الحكم (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على الأحكام والآداب (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما هو صلاحكم (حَكِيمٌ) فيما يأمر وينهى عنه.