وبمناسبة ذكر أحوال الرجال الصالحين وما يجزون من الثواب في الآخرة يأتي ذكر الكفار وما يلاقون من العذاب على كفرهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسوله واليوم الآخر (أَعْمالُهُمْ) التي يعملونها ويعتقدون أنها حسنات (كَسَرابٍ) هو الحادث في الصحاري وقت الظهر من انعكاس أشعة الشمس على الهواء حتى يظن الإنسان ـ من بعد ـ أنه ماء (بِقِيعَةٍ) __________________ (1) الأنعام : 161. (2) البقرة : 262. يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39) ____________________________________ الباء حرف جر ، وقيعة جمع قاع وهو الواسع من الأرض المنبسطة ، ولعل الإتيان بالجمع ، لتعدد الصعد التي يعمل الإنسان الكافر أعماله فيها ، في صعيد العبادة للأصنام وفي صعيد الإنفاق ، وفي صعيد الإحسان إلى الأرحام ، وهكذا (يَحْسَبُهُ) أي يحسب ذلك السراب (الظَّمْآنُ) الذي عطش كثيرا (ماءً) وتخصيص الظمآن بالذكر ، مع أن السراب يتراءى لكل أحد ، من جهة أن الظمآن هو الذي يرجوه ، فإذا جاءه لم يجده ، ويخيب رجاءه في أحرج حالاته (حَتَّى إِذا جاءَهُ) أي ذهب إلى ذلك السراب ليشرب منه ـ بظن أنه ماء ـ فيطفئ عطشه (لَمْ يَجِدْهُ) أي لم يجد ما زعمه ماء (شَيْئاً) إذ هو خيال الماء ، لا الماء ذاته ، وهكذا الكافر يحسب أن له أعمالا خيرة في الآخرة ينتفع بها في أحرج ساعاته ، فإذا ذهب إلى الآخرة لم يجد أثرا من أعماله (وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ) أي عند عمله المزعوم أنه باق له ، والمعنى أنه حيث كان يرجو الخير ، يرى الحساب والنكال (فَوَفَّاهُ) أي أعطاه الله وافيا (حِسابَهُ) الموجب لجزائه على أعماله السيئة في الدنيا (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) ، فلا تعطيل هناك في حساب الخلائق على كثرتهم ، وإنما يحاسب سبحانه الجميع في مقدار نصف ساعة ـ كما ورد ـ أو المراد سرعة زوال الدنيا ووصول الناس إلى جزاء أعمالهم.