۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النور، آية ٣٦

التفسير يعرض الآية ٣٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذا ذكرت الآيات السابقة الأحكام الأخلاقية الاجتماعية المرتبطة بالطهارة والنزاهة للعين والفرج واللسان ، وسمت بالإنسان من الآفاق المظلمة إلى الآفاق المنيرة ، ناسب ذلك التحدث عن عالم النور ، عالم الإله الذي أنار كل شيء بنور وجهه فقال تعالى (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) والنور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره ، وهكذا الله سبحانه ظاهر في نفسه مظهر لغيره ، بل أن النور الخارجي رشحة من نوره سبحانه الذي غمر الكون ، وأظهر كل شيء وأوجد كل موجود (مَثَلُ نُورِهِ) من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ليدركه الإنسان بقدر حسه (كَمِشْكاةٍ) لقد كان الناس في الماضي يخرجون كوة في الحائط ثم يجعلون على تلك الكوة لوحا من الزجاج ثم يجعلون المصباح ـ وهو محل الزيت والفتيلة ـ في زجاجة ـ تسمى بالفانوس ـ ثم يجعلون تلك الزجاجة في الكوة ، وإنما يجعلونها في الكوة ليشع من المصباح الضياء في الداخل والخارج ، ومن المعلوم أن نور المصباح إذا أشرق على الزجاج ، وكان منحصرا في كوة لا ينتشر كان ضياؤه قويا جدا ، وبالأخص إذا كان الزيت نقيا جيدا ، إن مثل هذا النور هو مثل نور الله سبحانه. فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ____________________________________ واختلف في لفظ المشكاة هل أنها عربية أو غير عربية؟ (فِيها) أي في تلك المشكاة (مِصْباحٌ) وهو السراج (الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) وهي «الفانوس» المصنوع من ألواح الزجاج (الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ) أي الكوكب المضيء الذي يشبه الدر في ضيائه وصفائه (يُوقَدُ) ذلك المصباح (مِنْ) زيت (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) أي كثيرة البركة وهي (زَيْتُونَةٍ) التاء للإفراد ، نحو شجر وشجرة ، وتمر وتمرة ، وخص ذلك لأن دهن الزيت أصفى من سائر الأدهان فيكون نور المصباح الذي أوقد به أحسن وأكثر إضاءة (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) أي أن منبتها في محل وسط فهي ضاحية للشمس تشرق عليها طول النهار ، فليست في طرف الشرق حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت ، ولا في طرف الغرب حتى لا تصيبها الشمس إذا شرقت ، فإن الغالب أن الشيء إذا كان في طرف كان هناك مانع عن إشراق الشمس عليه إذا كانت في طرف مقابل له (يَكادُ زَيْتُها) أي زيت هذه الشجرة (يُضِيءُ) وينير (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ) أي أن الحاصل من مثل هذا المصباح نور مضاعف ، بسبب تلك الأمور المذكورة (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ) أي نور هذا المصباح (مَنْ يَشاءُ) من السائرين فإنهم إذا رأوا المصباح بهذه الكيفية المضيئة يهتدون إلى الطريق ، ولا يبقون حائرين وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ____________________________________ في الصحراء ، لا يعرفون طريقا ، ولا يهتدون سبيلا ، ومن المحتمل أن يكون ضميره «لنوره» عائدا إلى الله ، بأن يكون التمثيل إلى قوله «على نور» أي إن الله يهدي إلى نوره الذي ضرب له المثل من يشاء ممن اتبع الحق ولم يعاند (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ) كما ضرب هذا المثل ، لبيان نور ذاته ، تشبيها للمعقول بالمحسوس تقريبا إلى الأذهان ، وإلا فلا مثل ينطبق تمام الانطباق عليه سبحانه ، ولذا قال (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) (1) (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيعلم الأمثال المناسبة ، التي توجب علما وفقها للناس ، تقربهم إلى الحق وتبعدهم عن الباطل ، وقد ورد روايات لتطبيق الآية على أهل البيت عليهم‌السلام وهي من قبيل التأويل أو ذكر المصاديق والتطبيقات (2).