۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الضحى، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤ وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥ أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ ٨ فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ ١٠ وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الضحَى (1) وَ الّيْلِ إِذَا سجَى (2) مَا وَدّعَك رَبّك وَ مَا قَلى (3) وَ لَلاَخِرَةُ خَيرٌ لّك مِنَ الأُولى (4) وَ لَسوْف يُعْطِيك رَبّك فَترْضى (5) أَ لَمْ يجِدْك يَتِيماً فَئَاوَى (6) وَ وَجَدَك ضالاّ فَهَدَى (7) وَ وَجَدَك عَائلاً فَأَغْنى (8) فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَ أَمّا السائلَ فَلا تَنهَرْ (10) وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّث (11)

القراءة

في الشواذ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عروة بن الزبير ما ودعك بالتخفيف و القراءة المشهورة بالتشديد و عن أشهب العقيلي فأوى بغير مد و عن ابن أبي السميقع عيلا بالتشديد

و عن النخعي و الشعبي فلا تكهر بالكاف و كذلك هو في مصحف عبد الله.

الحجة

قال ابن جني: ودع بالتخفيف يقل استعماله و قال سيبويه: استغنوا عن وزر و ودع بقولهم ترك و أنشد أبو علي ذلك في شعر أبي الأسود قوله:

{ليت شعري عن خليلي ما الذي --- غاله في الحب حتى ودعه}

و أما قوله فآوى فإنه من أويته أي رحمته و أما عيلا فإنه فيعل من العيلة و هي الفقر و هو مثل العائل و معناها ذو العيلة من غير جدة يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا كثر عياله و افتقر قال الشاعر:

{وما يدري الفقير متى غناه --- وما يدري الغني متى يعيل}

أي متى يفتقر و أما الكهر فهو مثل القهر و العرب قد تعاقب بين القاف و الكاف و في حديث معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة قال ما كهرني و لا ضربني.

اللغة

السجو السكون يقال سجى يسجو إذا هدىء و سكن و طرف ساج و بحر ساج قال الأعشى:

{فما ذنبنا إذ جاش بحر ابن عمكم --- و بحرك ساج لا يواري الدعامصا}

وقال الآخر:

{يا حبذا القمراء و الليل الساج --- وطرق مثل ملإ النساج والقلى}

البغض إذا كسرت القاف قصرت و إذا فتحت مددت قال:

{عليك سلام لا مللت قريبة --- و ما لك عندي إن نأيت}

قلاء و نهره و انتهره بمعنى و هو أن يصيح في وجه السائل الطالب للرفد.

الإعراب

«و ما قلى» أي و ما قلاك و كذلك قوله «فآوى» «فأغنى» تقديره فآواك فأغناك فالمفعول في هذه الآي محذوف و قال «و لسوف يعطيك» و لم يقل و يعطينك و إن كان جواب

القسم لأن النون إنما تدخل لتؤذن بأن اللام لام القسم لا لام الابتداء و قد حصل هاهنا العلم بأن هذه اللام للقسم لا للابتداء لدخوله على سوف و لام الابتداء لا تدخل على سوف لأن سوف تختص بالأفعال و لام الابتداء إنما تدخل على الأسماء «فأما اليتيم فلا تقهر» تقديره فمهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ثم أقيم أما مقام الشرط فحصل أما فلا تقهر اليتيم ثم قدم المفعول على الفاء كراهة لأن يكون الفاء التي من شأنها أن تكون متبعة شيئا فشيئا في أول الكلام و إن كثر يجتمع في اللفظ مع أما فتكون على خلاف أصول كلامهم و كذلك «أما بنعمة ربك فحدث».

النزول

قال ابن عباس: احتبس الوحي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة عشر يوما فقال المشركون أن محمدا قد ودعه ربه و قلاه و لو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه فنزلت السورة و قيل إنما احتبس الوحي اثني عشر يوما عن ابن جريج و قيل أربعين يوما عن مقاتل و قيل إن المسلمين قالوا ما ينزل عليك الوحي يا رسول الله فقال و كيف ينزل علي الوحي و أنتم لا تنقون براجمكم و لا تقلمون أظفاركم و لما نزلت السورة قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبرائيل (عليه السلام) ما جئت حتى اشتقت إليك فقال جبرائيل (عليه السلام) و أنا كنت أشد إليك شوقا و لكني عبد مأمور و ما نتنزل إلا بأمر ربك و قيل سألت اليهود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذي القرنين و أصحاب الكهف و عن الروح فقال سأخبركم غدا و لم يقل إن شاء الله فاحتبس عنه الوحي هذه الأيام فاغتم لشماتة الأعداء فنزلت السورة تسلية لقلبه و قيل إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رمي بحجر في إصبعه فقال هل أنت إلا إصبع رميت، و في سبيل الله ما لقيت فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يوحى إليه فقالت له أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فنزلت السورة.

المعنى

«و الضحى» أقسم سبحانه بنور النهار كله من قولهم ضحى فلان للشمس إذ ظهر لها و يدل عليه قوله في مقابلته «و الليل إذا سجى» أي سكن و استقر ظلامه و قيل إن المراد بالضحى أول ساعة من النهار و قيل صدر النهار و هي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس و اعتدال النهار في الحر و البرد في الشتاء و الصيف و قيل معناه و رب الضحى و رب الليل إذا سجى عن الجبائي و قيل إذا سجى أي غطى بالظلمة كل شيء عن عطاء و الضحاك و قيل إذا أقبل ظلامه عن الحسن «ما ودعك ربك و ما قلى» هذا جواب القسم و معناه و ما

تركك يا محمد ربك و ما قطع عنك الوحي توديعا لك و ما قلاك أي ما أبغضك منذ اصطفاك «و للآخرة خير لك من الأولى» يعني أن ثواب الآخرة و النعيم الدائم فيها خير لك من الدنيا الفانية و الكون فيها و قيل إن له (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه من المسك و في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج و الخدم و ما يشتهي على أتم الوصف عن ابن عباس و قيل معناه و لآخر عمرك الذي بقي خير لك من أوله لما يكون فيه من الفتوح و النصرة «و لسوف يعطيك ربك فترضى» معناه و سيعطيك ربك في الآخرة من الشفاعة و الحوض و سائر أنواع الكرامة فيك و في أمتك ما ترضى به و روى حرث بن شريح عن محمد بن علي بن الحنفية أنه قال يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز و جل «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم» الآية و إنا أهل البيت (عليهم السلام) نقول أرجى آية في كتاب الله «و لسوف يعطيك ربك فترضى» و هي و الله الشفاعة ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رب رضيت و عن الصادق (عليه السلام) قال دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على فاطمة (عليها السلام) و عليها كساء من ثلة الإبل و هي تطحن بيدها و ترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أبصرها فقال يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقد أنزل الله علي «و لسوف يعطيك ربك فترضى» و قال زيد بن علي إن من رضا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخل أهل بيته الجنة و قال الصادق (عليه السلام) رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد ثم عدد سبحانه عليه نعمه في دار الدنيا فقال «أ لم يجدك يتيما فآوى» قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أنه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه و بقي يتيما فآواه الله بأن سخر له أولا عبد المطلب ثم لما مات عبد المطلب قيض له أبا طالب و سخره للإشفاق عليه و حببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده فكلفه و رباه و اليتيم من لا أب له و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مات أبوه و هو في بطن أمه و قيل أنه مات بعد ولادته بمدة قليلة و ماتت أمه (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو ابن سنتين و مات جده و هو ابن ثماني سنين فسلمه إلى أبي طالب (عليه السلام) لأنه كان أخا عبد الله لأمه فأحسن تربيته و سئل الصادق (عليه السلام) لم أوتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبويه فقال لئلا يكون لمخلوق عليه حق ( و الآخر ) أن يكون المعنى أ لم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك و فضلك فآواك إلى نفسه و اختصك برسالته من قولهم درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل قال:

{لا و لا درة يتيمة بحر --- تتلألأ في جؤنة البياع}

###

و قيل فآواك أي جعلك مأوى للأيتام بعد أن كنت يتيما و كفيلا للأنام بعد أن كنت مكفولا عن الماوردي ثم ذكر نعمة أخرى فقال «و وجدك ضالا فهدى» قيل في معناه أقوال ( أحدها ) وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة و الشريعة أي كنت غافلا عنهما فهداك إليهما عن الحسن و الضحاك و الجبائي و نظيره ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و قوله «و إن كنت من قبله لمن الغافلين» فمعنى الضلال على هذا هو الذهاب عن العلم مثل قوله «أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» ( و ثانيها ) إن المعنى وجدك متحيرا لا تعرف وجوه معاشك فهداك إلى وجوه معاشك فإن الرجل إذا لم يهتد طريق مكسبه و وجه معيشته يقال أنه ضال لا يدري إلى أين يذهب و من أي وجه يكتسب عن أبي مسلم و في الحديث نصرت بالرعب و جعل رزقي في ظل رمحي يعني الجهاد ( و ثالثها ) إن المعنى وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه بإتمام العقل و نصب الأدلة و الألطاف حتى عرفت الله بصفاته بين قوم ضلال مشركين و ذلك من نعم الله سبحانه عليك ( رابعها ) وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب فروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ضل في شعاب مكة و هو صغير فرآه أبو جهل و رده إلى جده عبد المطلب فروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ضل في شعاب مكة و هو صغير فرآه أبو جهل و رده إلى جده عبد المطلب فمن الله سبحانه بذلك عليه إذا رده إلى جده على يد عدوه عن ابن عباس ( و خامسها ) ما روي أن حليمة بنت أبي ذؤيب لما أرضعته مدة و قضت حق الرضاع ثم أرادت رده على جده جاءت به حتى قربت من مكة فضل في الطريق فطلبته جزعة و كانت تقول إن لم أره لأرمين نفسي من شاهق و جعلت تصيح وا محمداه قالت فدخلت مكة على تلك الحال فرأيت شيخا متوكئا على عصا فسألني عن حالي فأخبرته فقال لا تبكين فأنا أدلك على من يرده عليك فأشار إلى هبل صنمهم الأكبر و دخل البيت فطاف بهبل و قبل رأسه و قال يا سيداه لم تزل منتك جسيمة رد محمدا على هذه السعدية قال فتساقطت الأصنام لما تفوه باسم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و سمع صوت إن هلاكنا على يدي محمد فخرج و أسنانه تصطك و خرجت إلى عبد المطلب و أخبرته بالحال فخرج فطاف بالبيت و دعا الله سبحانه فنودي و أشعر بمكانه فأقبل عبد المطلب و تلقاه ورقة بن نوفل في الطريق فبينما هما يسيران إذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم تحت شجرة يجذب الأغصان و يلعب بالورق فقال عبد المطلب فداك نفسي و حمله و رده إلى مكة عن كعب ( و سادسها ) ما روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته فعدل به عن الطريق فجاء جبرائيل (عليه السلام) فنفخ إبليس نفخة رفع بها إلى الحبشة و رده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك عن سعيد بن المسيب ( و سابعها ) إن المعنى وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك و أرشدهم إلى فضلك و الاعتراف بصدقك و المراد أنك كنت خاملا لا تذكر و لا تعرف فعرفك الله الناس حتى عرفوك و عظموك.

«و وجدك عائلا»

أي فقيرا لا مال لك «فأغنى» أي فأغناك بمال خديجة و الغنائم و قيل فأغناك بالقناعة و رضاك بما أعطاك عن مقاتل و اختار الفراء قال لم يكن غنيا عن كثرة المال لكن الله سبحانه أرضاه بما أتاه من الرزق و ذلك حقيقة الغنى و روى العياشي بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله «أ لم يجدك يتيما فآوى» قال فردا لا مثل لك في المخلوقين فآوى الناس إليك و وجدك ضالا أي ضالة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك و وجدك عائلا تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال من علي ربي و هو أهل المن و قد طعن بعض الملحدين فقال كيف يحسن الامتنان بالإنعام و هل يكون هذا من فعل الكرام ( و الجواب ) أن المن إنما يقبح من المنعم إذا أراد به الغض من المنعم عليه و الأذى له فأما من أراد التذكير لشكر نعمته و الترغيب فيه ليستحق الشاكر المزيد فإنه في غاية الحسن و لأن من كمال الجود و تمام الكرم تعريف المنعم عليه أنه إنما أنعم عليه ليسأل جميع ما يحتاج إليه فيعطي ثم أوصاه سبحانه باليتامى و الفقراء فقال «فأما اليتيم فلا تقهر» أي فلا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى عن الفراء و الزجاج و قيل معناه لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما عن مجاهد و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحسن إلى اليتامى و يبرهم و يوصي بهم و جاء في الحديث عن أبي أوفى قال كنا جلوسا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه غلام فقال غلام يتيم و أخت لي يتيمة و أم لي أرملة أطعمنا مما أطعمك الله أعطاك الله مما عنده حتى ترضى قال ما أحسن ما قلت يا غلام اذهب يا بلال فأتنا بما كان عندنا فجاء بواحدة و عشرين تمرة فقال سبع لك و سبع لأختك و سبع لأمك فقام إليه معاذ بن جبل فمسح رأسه و قال جبر الله يتمك و جعلك خلفا من أبيك و كان من أبناء المهاجرين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأيتك يا معاذ و ما صنعت قال رحمته قال لا يلي أحد منكم يتيما فيحسن ولايته و وضع يده على رأسه إلا كتب الله له بكل شعرة حسنة و محا عنه بكل شعرة سيئة و رفع له بكل شعرة درجة و عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر على يده نور يوم القيامة و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى الله عز و جل و أشار بالسبابة و الوسطى و عن عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله لملائكته يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيب أبوه في التراب فتقول الملائكة أنت أعلم فيقول الله تعالى يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته و أرضاه أن أرضيه يوم القيامة و كان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه و أعطاه شيئا «و أما السائل فلا تنهر» أي لا تنهر السائل و لا ترده إذا أتاك يسألك فقد كنت فقيرا فأما أن تطعمه و إما أن ترده ردا لينا و في الحديث عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتاك سائل

على فرس باسط كفيه فقد وجب له الحق و لو بشق تمرة قال أبو مسلم يريد كما أعطاك الله و رحمك و أنت عائل فأعط سائلك و ارحمه و قال الجبائي: المراد بها جميع المكلفين و إن كان الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل إن المراد بالسائل طلب العلم و هو متصل بقوله «و وجدك ضالا فهدى» عن الحسن و المعنى علم من يسألك كما علمك الله الشرائع و كنت بها غير عالم «و أما بنعمة ربك فحدث» معناه اذكر نعمة الله و أظهرها و حدث بها و في الحديث من لم يشكر الناس لم يشكر الله و من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير و التحدث بنعمة الله شكر و تركه كفر و قيل يريد بالنعمة القرآن عن الكلبي قال و كان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به فأمره أن يقرأه و قيل بالنبوة التي أعطاك ربك عن مجاهد و اختاره الزجاج قال: أي بلغ ما أرسلت به و حدث بالنبوة التي أتاكها الله و هي أجل النعم و قيل معناه اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة قال الصادق (عليه السلام) معناه فحدث بما أعطاك الله و فضلك و رزقك و أحسن إليك و هداك.

النظم

وجه اتصال قوله «للآخرة خير لك من الأولى» بما قبله أن في قوله «ما ودعك ربك و ما قلى» إثباتا لمحبته سبحانه إياه و إنعامه عليه فاتصل هذا أيضا به و التقدير ليس الأمر كما قالوه بل الوحي يأتيك ما عمرت و تدوم محبتي لك و ما أعطيتك في الآخرة من الشرف و رفعة المنزلة خير مما أعطيتك اليوم فإذا حسدوك على ذا فكيف بهم إذا رأوا ذلك و أما اتصال قوله «أ لم يجدك» بما قبله فوجهه أنه اتصال ذكر النعم بذكر المنعم و التقدير أنه سبحانه سينعم عليك في مستقبل أمرك كما أنعم عليك في الماضي من أمرك.