۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦ وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧ وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨ وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ الّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَ لَمْ يَكُن لهُّمْ شهَدَاءُ إِلا أَنفُسهُمْ فَشهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهَدَتِ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصدِقِينَ (6) وَ الخَْمِسةُ أَنّ لَعْنَت اللّهِ عَلَيْهِ إِن كانَ مِنَ الْكَذِبِينَ (7) وَ يَدْرَؤُا عَنهَا الْعَذَاب أَن تَشهَدَ أَرْبَعَ شهَدَتِ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ (8) وَ الخَْمِسةَ أَنّ غَضب اللّهِ عَلَيهَا إِن كانَ مِنَ الصدِقِينَ (9) وَ لَوْ لا فَضلُ اللّهِ عَلَيْكمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنّ اللّهَ تَوّابٌ حَكيمٌ (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «فشهادة أحدهم أربع شهادات» بالرفع و الباقون أربع شهادات بالنصب و قرأ حفص و الخامسة الثانية بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ نافع أن ساكنة النون لعنة الله بالرفع و أن غضب الله عليها بكسر الضاد و رفع الله و قرأ يعقوب أن لعنة الله و أن غضب الله برفع لعنة و غضب جميعا و الباقون «أن لعنة الله» و «أن غضب الله» بالتشديد و النصب في الموضعين.

الحجة

قال أبو علي من نصب أربع شهادات نصبه بالشهادة و ينبغي أن يكون قوله «شهادة أحدهم» مبنيا على ما يكون مبتدأ تقديره فالحكم أو فالفرض أن تشهد أربع شهادات أو فعليهم أن يشهدوا و إن شئت حملته على المعنى لأن المعنى يشهد أحدهم و قوله «بالله» يجوز أن يكون من صلة الشهادة لأنك أوصلتها بالشهادة و من صلة شهادات إذا نصبت الأربع و قياس من أعمل الثاني أن يكون قوله «بالله» من صلة شهادات و حذف من الأول لدلالة الثاني عليه كما تقول ضربت و ضربني زيد و من رفع فقال «شهادة أحدهم أربع شهادات بالله» فإن الجار و المجرور من صلة شهادات و لا يجوز أن يكون من صلة شهادة لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة و الموصول أ لا ترى أن الخبر الذي هو «أربع شهادات» يفصل

قوله «إنه لمن الصادقين» في قول من نصب أربع شهادات يجوز أن يكون من صلة شهادة أحدهم فتكون الجملة التي هي «إنه لمن الصادقين» في موضع نصب لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها أن كما يتعلق بالعلم و الجملة في موضع نصب بأنه مفعول به و «أربع شهادات» ينتصب انتصاب المصدر و من رفع «أربع شهادات» لم يكن «إنه لمن الصادقين» إلا من صلة شهادات دون صلة شهادة لأنك إن جعلته من صلة شهادة فصلت بين الصلة و الموصول و من قرأ أن لعنة الله عليه و أن غضب الله عليها فمعناه أنه لعنة الله عليه و أنه غضب الله عليها خففت الثقيلة المفتوحة على إضمار القصة و الحديث و لا تكون في ذلك كالمكسورة لأن الثقيلة المفتوحة موصولة و الموصول يتشبث بصلته أكثر من تشبث غير الموصول بما يتصل به و أهل العربية يستقبحون أن تلي الفعل حتى يفصل بينها و بين الفعل بشيء و يقولون استقبحوا أن تحذف و يحذف ما تعمل فيه و إن تلي ما لم تكن تليه من الفعل بلا حاجز بينهما فتجتمع هذه الاتساعات فيها فإن فصل بينها و بين الفعل بشيء لم يستقبحوا ذلك كقوله تعالى علم أن سيكون منكم مرضى و قوله أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا و علمت أن قد قام فإن قلت فقد جاء و أن ليس للإنسان إلا ما سعى و جاء نودي أن بورك من في النار و من حولها فالجواب فإن ليس يجري مجرى ما و نحوها مما ليس بفعل و أما قوله نودي أن بورك فإن قوله بورك على معنى الدعاء فلم يجز دخول لا و لا قد و لا السين و لا شيء مما يصح دخوله الكلام فيصح به الفصل و وجه قراءة نافع أن ذلك قد جاء في الدعاء و لفظه لفظ الخبر و قد يجيء في الشعر و إن لم يكن شيء يفصل بين أن و بين ما تدخل عليه من الفعل فإن قلت فلم لا تكون أن في قوله أن غضب الله أن الناصبة للفعل وصل بالماضي فيكون كقراءة من قرأ و امرأة مؤمنة أن وهبت نفسها للنبي فإن ذلك لا يسهل أ لا ترى أنها متعلقة بالشهادة و الشهادة بمنزلة العلم لا تقع بعدها الناصبة.

النزول

الضحاك عن ابن عباس قال لما نزلت الآية و الذين يرمون المحصنات قال عاصم بن عدي يا رسول الله إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين و إن التمس أربعة شهداء كان الرجل قد قضى حاجته ثم مضى قال كذلك أنزلت الآية يا عاصم قال فخرج سامعا مطيعا فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع فقال ما وراءك قال شر وجدت شريك بن سحما على بطن امرأتي خولة فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره هلال بالذي كان فبعث إليها فقال ما يقول زوجك فقالت يا رسول الله إن ابن سحما كان يأتينا فينزل بنا فيتعلم الشيء من القرآن فربما تركه عندي و خرج زوجي فلا أدري أدركته الغيرة أم بخل علي بالطعام فأنزل الله آية اللعان «و الذين يرمون أزواجهم» الآيات و عن الحسن قال لما

نزلت و الذين يرمون المحصنات الآية قال سعد بن عبادة يا رسول الله أ رأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله تقتلونه و إن أخبر بما رأى جلد ثمانين أ فلا يضربه بالسيف فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفى بالسيف شاة أراد أن يقول شاهدا ثم أمسك و قال لو لا أن يتابع فيه السكران و الغيران و في رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعد بن عبادة لو أتيت لكاع و قد يفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء فو الله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته و يذهب و إن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معشر الأنصار ما تسمعون إلى ما قال سيدكم فقالوا لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط إلا بكرا و لا طلق امرأة له فاجترى رجل منا إن يتزوجها فقال سعد بن عبادة يا رسول الله بأبي أنت و أمي و الله إني لأعرف أنها من الله و أنها حق و لكن عجبت من ذلك لما أخبرتك فقال فإن الله يأبى إلا ذاك فقال صدق الله و رسوله فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له قد رأى رجلا مع امرأته فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال إني جئت أهلي عشاء فوجدت معها رجلا رأيته بعيني و سمعته بإذني فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى رأى الكراهة في وجهه فقال هلال إني لأرى الكراهة في وجهك و الله يعلم إني لصادق و إني لأرجو أن يجعل الله فرجا فهم رسول الله بضربه و قال و اجتمعت الأنصار و قالوا ابتلينا بما قال سعد أ يجلد هلال و تبطل شهادته فنزل الوحي و أمسكوا عن الكلام حين عرفوا أن الوحي قد نزل فأنزل الله تعالى «و الذين يرمون أزواجهم» الآيات فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أبشر يا هلال فإن الله تعالى قد جعل فرجا فقال قد كنت أرجو ذاك من الله تعالى فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلوا إليها فجاءت فلاعن بينهما فلما انقضى اللعان فرق بينهما و قضى أن الولد لها و لا يدعى لأب و لا يرمى ولدها ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن جاءت به كذا و كذا فهو لزوجها و إن جاءت به كذا و كذا فهو للذي قيل فيه.

المعنى

لما تقدم حكم القذف للأجنبيات عقبه بحكم القذف للزوجات فقال «و الذين يرمون أزواجهم» بالزنا «و لم يكن لهم شهداء» يشهدون لهم على صحة ما قالوا «إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات» قال الزجاج معناه فشهادة أحدهم التي تدرأ حد القاذف أربع شهادات و من نصب فمعناه فالذي يدرأ عنهم العذاب أن يشهد أحدهم أربع شهادات «بالله أنه لمن الصادقين» فيما رماها به من الزنا «و الخامسة» أي و الشهادة الخامسة «أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» فيما رماها به من الزنا و المعنى أن الرجل يقول أربع مرات مرة بعد مرة أخرى أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما ذكرت عن هذه المرأة من الفجور فإن هذا حكم خص الله به الأزواج في قذف نسائهم فتقوم الشهادات الأربع مقام الشهود الأربعة في دفع حد القذف عنهم ثم يقول في المرة الخامسة لعنة الله علي إن كنت

من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا «و يدرأ عنها العذاب» و يدفع عن المرأة حد الزنا «أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين» معناه أن تقول المرأة أربع مرات مرة بعد أخرى أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما قذفني به من الزنا «و الخامسة أن غضب الله عليها» أي و تقول في الخامسة غضب الله علي «إن كان من الصادقين» فيما قذفني به من الزنا ثم يفرق الحاكم بينهما و لا تحل له أبدا و كان عليها العدة من وقت لعانها «و لو لا فضل الله عليكم و رحمته و أن الله تواب حكيم» جواب لو لا محذوف تقديره و لو لا فضل الله عليكم بالنهي عن الزنا و الفواحش و إقامة الحدود لتهالك الناس و لفسد النسل و انقطع الأنساب عن أبي مسلم و قيل معناه لو لا إفضال الله و إنعامه عليكم و أن الله عواد على من يرجع عن المعاصي بالرحمة حكيم فيما فرضه من الحدود لنال الكاذب منهما عذاب عظيم أي لبين الكاذب منهما فيقام عليه الحد و قيل لعاجلكم بالعقوبة و لفضحكم بما تركبون من الفاحشة و مثله قوله لو رأيت فلانا و في يده السيف و المعنى لرأيت شجاعا أو لرأيت أمرا هائلا و قال جرير:

{كذب العواذل لو رأين مناخنا --- بحزيز رامة و المطي سوام}

و جاء في المثل لو ذات سوار لطمتني.