۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ٣٢

التفسير يعرض الآيات ٣٢ إلى ٣٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢ وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣ وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أَنكِحُوا الأَيَمَى مِنكمْ وَ الصلِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَ إِمَائكمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ وَ اللّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَ لْيَستَعْفِفِ الّذِينَ لا يجِدُونَ نِكاحاً حَتى يُغْنِيهُمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ وَ الّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَب مِمّا مَلَكَت أَيْمَنُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيراً وَ ءَاتُوهُم مِّن مّالِ اللّهِ الّذِى ءَاتَاكُمْ وَ لا تُكْرِهُوا فَتَيَتِكُمْ عَلى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تحَصناً لِّتَبْتَغُوا عَرَض الحَْيَوةِ الدّنْيَا وَ مَن يُكْرِههّنّ فَإِنّ اللّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ (33) وَ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكمْ ءَايَتٍ مّبَيِّنَتٍ وَ مَثَلاً مِّنَ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكمْ وَ مَوْعِظةً لِّلْمُتّقِينَ (34)

القراءة

في الشواذ قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير من بعد إكراههن لهن غفور رحيم و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).

الحجة

اللام في هن متعلقة بغفور أي غفور لهن.

اللغة

الأيامى جمع أيم و هي المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكرا أو ثيبا و يقال للرجل الذي لا زوجة له أيم أيضا قال جميل:

{أحب الأيامى إذ بثينة أيم --- و أحببت لما أن غنيت الغوانيا}

و قال الشاعر:

{فإن تنكحي أنكح و إن تتأيمي --- يدا الدهر ما لم تنكحي أتايم}

و الفعل منه آمت المرأة تئيم أيمة و أيوما و الإنكاح التزويج يقال نكح إذا تزوج و أنكح غيره إذا زوجه و الاستعفاف و التعفف سواء و هو طلب العفة و استعمالها و يقال رجل عف و امرأة عفة و الكتاب و المكاتبة أن يكاتب الرجل مملوكه على مال يؤديه إليه فإذا أداه عتق و أصله من الجمع و كل شيء جمعته إلى شيء فقد كتبته و منه الكتاب لتداني بعض حروفه إلى بعض و هنا قد جمع العبد نجوم المال و قيل جمع ماله إلى مال السيد.

الإعراب

أحد مفعولي «أنكحوا» محذوف تقديره و أنكحوا رجالكم الأيامى من نسائكم أو نساءكم الأيامى من رجالكم و أنكحوا الصالحين من عبادكم إماءكم الصالحات أو الصالحات من إمائكم عبادكم الصالحين لأن الأيامى يشتمل على الرجال و النساء و الصالحين يشتمل عليهما أيضا و قوله «منكم» و «من عبادكم و إمائكم» الجار و المجرور في موضع نصب على الحال و من للتبيين و كل موضع يكون من مع معمولة و العامل فيه في محل النصب على الحال لا يكون إلا كذلك.

المعنى

ثم أمر سبحانه عباده بالنكاح و أغناهم عن السفاح فقال «و أنكحوا الأيامى منكم» و معناه زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم و نسائكم و هذا أمر ندب

و استحباب و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من أحب فطرتي فليستن بسنتي و من سنتي النكاح و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معشر الشباب من استطاع منكم الباء فليتزوج فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج و من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء و روى عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير قال لقيني ابن عباس في حجة حجها فقال هل تزوجت قلت لا قال فتزوج قال و لقيني في العام المقبل فقال هل تزوجت قلت لا فقال اذهب فتزوج فإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عن أبي هريرة قال لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد للقيت الله بزوجة سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول شراركم عزابكم و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) من أدرك له ولد و عنده ما يزوجه فلم يزوجه فأحدث فالإثم بينهما و عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أربع لعنهم الله من فوق عرشه و أمنت عليه ملائكته الذي يحصر نفسه فلا يتزوج و لا يتسرى لئلا يولد له و الرجل يتشبه بالنساء و قد خلقه الله ذكرا و المرأة تتشبه بالرجال و قد خلقها الله أنثى و مضلل الناس يريد الذي يهزأ بهم يقول للمسكين هلم أعطك فإذا جاء يقول ليس معي شيء و يقول للمكفوف اتق الدابة و ليس بين يديه شيء و الرجل يسأل عن دار القوم فيضلله «و الصالحين من عبادكم و إمائكم» أي و زوجوا المستورين من عبيدكم و ولائدكم و قيل إن معنى الصلاح هاهنا الإيمان عن مقاتل ثم رجع إلى الأحرار فقال «إن يكونوا فقراء» لا سعة لهم للتزويج «يغنهم الله من فضله» وعدهم سبحانه أن يوسع عليهم عند التزويج «و الله واسع» المقدور كثير الفضل «عليم» بأحوالهم و ما يصلحهم فيعطيهم على قدر ذلك و قال أبو عبد الله (عليه السلام) من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بربه لقوله سبحانه «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» «و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله» هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد السبيل إلى أن يتزوج بأن لا يجد المهر و النفقة أن يتعفف و لا يدخل في الفاحشة و يصبر حتى يوسع الله عليه من رزقه ثم بين سبحانه ما يسهل سبيل النكاح فقال «و الذين يبتغون الكتاب» أي يطلبون المكاتبة «مما ملكت أيمانكم» من العبيد و الإماء «فكاتبوهم» و المكاتبة أن يكاتب الإنسان عبده على مال ينجمه عليه ليؤديه إليه في هذه النجوم المعلومة و هذا أمر ندب و استحباب و ترغيب عند جميع الفقهاء و قيل أنه أمر حتم و إيجاب إذا طلبه العبد و علم فيه الخير عن عطا و عمر بن دينار و الطبري «إن علمتم فيهم خيرا» أي صلاحا و رشدا عن ابن عباس و روي عنه أيضا

إن علمتم فيهم قدرة على الاكتساب لأداء مال الكتابة و رغبة فيه و أمانة و هو قول ابن عمر و ابن زيد و الثوري و الزجاج قال الحسن إن كان عنده مال فكاتبه و إلا فلا تعلق عليه صحيفة يغدو بها على الناس و يروح بها فيسألهم و روي أن عبدا لسلمان قال له كاتبني قال أ لك مال قال لا قال تطعمني أوساخ الناس فأبى عليه و قال قتادة يكره أن يكاتب العبد و يقول لا يكاتبه إلا يسأل الناس «و آتوهم من مال الله الذي آتاكم» أي حطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئا عن ابن عباس و قتادة و عطا و قيل معناه ردوا عليهم يا معشر السادة من المال الذي أخذتم منهم شيئا و هو استحباب و قيل هو إيجاب و قال قوم من المفسرين أنه خطاب للمؤمنين بمعونتهم على تخليص رقابهم من الرق و من قال أنه خطاب للسادة اختلفوا في قدر ما يجب فقيل يتقدر بربع المال عن الثوري و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و قيل ليس فيه تقدير بل يحط عنه شيء منه و هو الصحيح و قيل أنه يعطى سهمه من الصدقات في قوله و في الرقاب قال الحسن لو لا الكتابة لما جاز له أخذ الصدقة و قال أصحابنا أن المكاتبة ضربان مطلق و مشروط فالمشروط أن يقول لعبده في حال الكتابة متى عجزت عن أداء ثمنك كنت مردودا في الرق فإذا كان كذلك جاز له رده في الرق عند العجز و المطلق ينعتق منه عند العجز بحساب ما أدى من المال و يبقى مملوكا بحساب ما بقي عليه و يرث و يورث بحساب ما عتق «و لا تكرهوا فتياتكم» أي إمائكم و ولايدكم «على البغاء» أي على الزنا «إن أردن تحصنا» أي تعففا و تزويجا عن ابن عباس و إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن فإن لم ترد المرأة التحصن بغت بالطبع فهذه فائدة الشرط «لتبتغوا عرض الحياة الدنيا» أي من كسبهن و بيع أولادهن قيل أن عبد الله بن أبي كان له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا فلما نزل تحريم الزنا أتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكون إليه فنزلت الآية «و من يكرههن» أي و من يجبرهن على الزنا من سادتهن «فإن الله من بعد إكراههن غفور» للمكرهات لا للمكره لأن الوزر عليه «رحيم» بهن «و لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات» أي واضحات ظاهرات و من قرأ بفتح الباء فمعناه مفصلات بينهن الله و فصلهن «و مثلا من الذين خلوا من قبلكم» و أخبارا من الذين مضوا من قبلكم و قصصا لهم و شبها من حالهم بحالكم لتعتبروا بها «و موعظة للمتقين» أي و زجرا للمتقين عن المعاصي و خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها.