۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النور، آية ٢٨

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٢٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨ لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

الخَْبِيثَت لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ وَ الطيِّبَت لِلطيِّبِينَ وَ الطيِّبُونَ لِلطيِّبَتِ أُولَئك مُبرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كرِيمٌ (26) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ بُيُوتِكمْ حَتى تَستَأْنِسوا وَ تُسلِّمُوا عَلى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ (27) فَإِن لّمْ تجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتى يُؤْذَنَ لَكمْ وَ إِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لّيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ مَسكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لّكمْ وَ اللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا تَكْتُمُونَ (29)

اللغة

الاستيناس طلب الأنس بالعلم أو غيره تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا و منه قوله «فإن آنستم منهم رشدا» أي علمتم و روي عن ابن عباس أنه قال إنما هي تستأذنوا يعني قوله «تستأنسوا» و كذلك يروى عن عبد الله و روي عن أبي حتى تسلموا و تستأنسوا و كذلك قرأ ابن عباس.

المعنى

قال سبحانه «الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات» قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال و الخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم و الطيبات من الكلم للطيبين من الرجال و الطيبون من الرجال للطيبات من الكلم أ لا ترى أنك تسمع الخبيث من الرجل الصالح فتقول غفر الله لفلان ما هذا من خلقه و لا مما يقول عن ابن عباس و الضحاك و مجاهد و الحسن ( و الثاني ) إن معناه الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال و الخبيثون من الرجال للخبيثات من السيئات و الطيبات من الحسنات

للطيبين من الرجال و الطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات عن ابن زيد ( و الثالث ) الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال و الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء و الطيبات من النساء للطيبين من الرجال و الطيبون من الرجال للطيبات من النساء عن أبي مسلم و الجبائي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) قالا هي مثل قوله «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة» الآية أن أناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم الله عن ذلك و كره ذلك لهم «أولئك مبرءون مما يقولون» أي الطيبون مبرءون أي منزهون من الكلام الخبيث عن مجاهد و قال الفراء يعني به عائشة و صفوان بن المعطل و هو بمنزلة قوله تعالى «فإن كان له إخوة» و الأم تحجب بالأخوين فجاء على تغليب لفظ الجمع «لهم مغفرة» أي لهؤلاء الطيبين من الرجال و النساء مغفرة من الله لذنوبهم «و رزق كريم» أي عطية من الله كريمة في الجنة ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا» أي حتى تستأذنوا عن ابن مسعود و ابن عباس قال أخطأ الكاتب فيه و كان يقرأ حتى تستأذنوا و قيل تستأنسوا بالتنحنح و الكلام الذي يقوم مقام الاستيذان و قد بين الله تعالى ذلك في قوله «و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا» عن مجاهد و السدي و قيل معناه حتى تستعلموا و تتعرفوا عن أبي أيوب الأنصاري قال قلنا يا رسول الله ما الاستيناس قال يتكلم الرجل بالتسبيحة و التحميدة و التكبيرة و يتنحنح على أهل البيت و عن سهل بن سعد قال أطلع رجل في حجرة من حجر رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و معه مدرى يحك به رأسه لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك إنما الاستيذان من النظر و روي أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أستأذن على أمي فقال نعم قال أنها ليس لها خادم غيري أ فاستأذن عليها كلما دخلت قال أ تحب أن تراها عريانة قال الرجل لا قال فاستأذن عليها «و تسلموا على أهلها» قيل إن فيه تقديما و تأخيرا تقديره حتى تسلموا على أهلها و تستأنسوا و تستأذنوا فإن أذن لكم فادخلوا و قيل معناه حتى تستأنسوا بأن تسلموا فقد روي أن رجلا استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنحنح فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لامرأة يقال لها روضة قومي إلى هذا فعلميه و قولي له قل السلام عليكم أ أدخل فسمعها الرجل فقالها فقال أدخل «ذلكم خير لكم» معناه ذلك الدخول بالاستيذان خير لكم «لعلكم تذكرون» مواعظ الله و أوامره و نواهيه فتتبعونها «فإن لم تجدوا» معناه فإن لم تعلموا «فيها أحدا» يأذن لكم في الدخول «فلا تدخلوها» لأنه ربما كان فيها ما

لا يجوز أن تطلعوا عليه «حتى يؤذن لكم» أي حتى يأذن لكم أرباب البيوت في ذلك بين الله سبحانه بهذا أنه لا يجوز دخول دار الغير بغير إذنه و إن لم يكن صاحبها فيها و لا يجوز أن يتطلع إلى المنزل ليرى من فيه فيستأذنه إذا كان الباب مغلقا لقوله (عليه السلام) إنما جعل الاستيذان لأجل النظر و إلا أن يكون الباب مفتوحا لأن صاحبه بالفتح أباح النظر «و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا» أي فانصرفوا و لا تلجوا عليهم و ذلك بأن يأمروكم بالانصراف صريحا أو يوجد منهم ما يدل عليه «هو أزكى لكم» معناه أن الانصراف أنفع لكم في دينكم و دنياكم و أطهر لقلوبكم و أقرب إلى أن تصيروا أزكياء «و الله بما تعملون عليم» أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها ثم قال سبحانه «ليس عليكم جناح» أي حرج و إثم «أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة» يعني بغير استئذان «فيها متاع لكم» قيل في معنى هذه البيوت أقوال ( أحدها ) أنها الحانات و الحمامات و الأرحية عن الصادق (عليه السلام) و عن محمد بن الحنفية و قتادة و يكون معنى متاع لكم أي استمتاع لكم ( الثاني ) إنها الخرابات المعطلة و يدخلها الإنسان لقضاء الحاجة عن عطا ( و الثالث ) أنها الحوانيت و بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس عن ابن زيد قال الشعبي و إذنهم أنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها و قالوا للناس علموا ( و الرابع ) أنها مناخات الناس في أسفارهم يرتفقون بها عن مجاهد و الأولى حمله على الجميع «و الله يعلم ما تبدون و ما تكتمون» لا يخفى عليه شيء من ذلك.

النظم

وجه اتصال الآية بما قبلها أنه سبحانه لما عظم شأن الزنا و القذف أكد ذلك بالنهي عن دخول بيوت الناس إلا بعد الاستئذان و الاستئناس ليكونوا أبعد من التهمة و أقرب إلى العصمة من السيئة.