۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٣٥

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١ فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢ وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣ وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤ أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥ ۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩ قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ثُمّ أَنشأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ (31) فَأَرْسلْنَا فِيهِمْ رَسولاً مِّنهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكم مِّنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَ فَلا تَتّقُونَ (32) وَ قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذّبُوا بِلِقَاءِ الاَخِرَةِ وَ أَتْرَفْنَهُمْ فى الحَْيَوةِ الدّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشرٌ مِّثْلُكمْ يَأْكلُ مِمّا تَأْكلُونَ مِنْهُ وَ يَشرَب مِمّا تَشرَبُونَ (33) وَ لَئنْ أَطعْتُم بَشراً مِّثْلَكمْ إِنّكمْ إِذاً لّخَسِرُونَ (34) أَ يَعِدُكمْ أَنّكمْ إِذَا مِتّمْ وَ كُنتُمْ تُرَاباً وَ عِظماً أَنّكم مخْرَجُونَ (35) هَيهَات هَيهَات لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدّنْيَا نَمُوت وَ نحْيَا وَ مَا نحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْترَى عَلى اللّهِ كذِباً وَ مَا نحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَب انصرْنى بِمَا كَذّبُونِ (39) قَالَ عَمّا قَلِيلٍ لّيُصبِحُنّ نَدِمِينَ (40)

القراءة

قرأ أبو جعفر هيهات هيهات بالكسر و الباقون بالفتح و في الشواذ قراءة

عيسى بن عمر هيهات هيهات بالتنوين و الكسر و قراءة أبي حيوة هيهات هيهات بالرفع و التنوين و قراءة عيسى الهمداني هيهات هيهات مرسلة التاء.

الحجة

قال ابن جني أما الفتح و هو قراءة العامة فعلى أنه واحد و هو اسم سمي به الفعل في الخبر و هو اسم بعد كما أن شتان اسم افترق و أف اسم أتضجر و من كسر فقال هيهات منونا أو غير منون فهو جمع هيهاة و أصلها هيهيات فحذف الألف لأنه في آخر اسم غير متمكن كما حذفت ياء الذي و ألف ذا في التثنية إذا قلت اللذان و ذان و من نون ذهب إلى التنكير أي بعدا بعدا و من لم ينون ذهب إلى التعريف أراد البعد البعد و من فتح وقف بالهاء لأنها كهاء أرطاة و من كسر كتبها بالتاء لأنها جماعة و من قال هيهات بالتنوين و الرفع فإنه يكتبها بالهاء و يكون اسما معربا فيه معنى البعد و قوله «لما توعدون» خبر عنه فكأنه قال البعد لوعدكم و أما هيهات ساكنة التاء فينبغي أن تكون جماعة و تكتب بالتاء و أجريت في الوقف مجراها في الوصل و تقول العرب هيهات لما تبغي و هيهات منزلك قال جرير

{فهيهات هيهات العقيق و من به --- و هيهات خل بالعقيق نواصله}

و يروى أيهات و اختار الفراء الوقف على هيهات بالتاء لأن قبلها ساكنا فصارت كتأنيث أخت و قال أبو علي إنما كرر هيهات في الآية و في البيت للتأكيد و أما اللتان في الآية ففي كل واحدة منهما ضمير مرتفع يعود إلى إلى الإخراج إذ لا يجوز خلوه من الفاعل و التقدير هيهات إخراجكم لأن قوله «إنكم مخرجون» بمعنى الإخراج أي بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم استبعد أعداء الله إخراجهم لما كانت العدة به بعد الموت ففاعل هيهات هو الضمير العائد إلى «إنكم مخرجون» الذي هو بمعنى الإخراج و أما في البيت ففي هيهات الأول ضمير العقيق و فسر ذلك ظهوره مع الثاني.

الإعراب

اختلفوا في أن الثانية من قوله سبحانه «أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما إنكم مخرجون» و كذلك قوله أ لم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فإن له نار جهنم و قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده و أصلح فإنه غفور رحيم فقال سيبويه إن الثانية في هذه المواضع الثلاث بدل من الأولى و قال أبو عمرو الجرمي و أبو العباس المبرد أنها مكررة للتأكيد و طول الكلام و قال أبو الحسن إنها مرتفع بالظرف و اختاره أبو علي الفارسي و زيف القولين الأولين و أقول إن أن الأولى في

قوله «أ يعدكم أنكم» مع اسمها و خبرها في موضع نصب على أنه المفعول الثاني من الوعد و يكون تقديره على مذهب سيبويه أ يعدكم أنكم مخرجون إذا متم و كنتم ترابا و عظاما أي أ يعدكم كونكم مخرجين بعد موتكم و كونكم ترابا و عظاما و أما على مذهب من جعله للتكرير فتقديره أ يعدكم أنكم بعد موتكم مخرجون و أما على مذهب أبي الحسن و أبي علي فتقديره أ يعدكم أنكم إذا متم إخراجكم و اتقوا أنكم وقت موتكم أو بعد موتكم إخراجكم فقوله «إنكم مخرجون» في موضع رفع بالظرف الذي هو قوله «إذا متم» و قوله «إذا متم» مع ما بعده رفع لكونه جملة واقعة موقع خبر إن الأولى و موضع إذا نصب كما انتصب يوم في قولك يوم الجمعة القتال و العامل في الظرف في الأصل الفعل المحذوف أو معنى الفعل مثل قولك يحدث أو حادث أو يكون أو كائن و لا يجوز أن يكون العامل فيه الإخراج نفسه إذ لو كان كذلك لكان الكلام غير تام و لا يكون له خبر ثم يحذف هذا المضمر لدلالة الظرف عليه و قيامه مقامه و يصير الذكر الذي كان في المضمر من المحدث عنه في الظرف و ذلك الذكر مرتفع بالظرف كما كان يرتفع بالفعل كما في نحو قولك زيد ذهب و زيد ذاهب فلما قام الظرف مقام الفعل متأخرا عن الاسم قام مقامه أيضا مبتدأ فرفع الاسم الظاهر كما رفعه الفعل فكذلك إذا في الآية تقديره في الأصل إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يكون أو يحدث ثم اختزل الفعل أو معنى الفعل على ما قاله أبو علي فانتصب إذا بذلك كما ينتصب غدا في قولك غدا الرحيل و حذف الخبر كما حذف من غد ثم قام إذا مقام الفعل فرفع قوله «إنكم مخرجون» كما رفع قولك غدا الرحيل و على هذا فيجوز أن نقول هنا أن موضع إذا نصب بحادث أو يحدث المضمر في قولك إذا متم إخراجكم يحدث أو حادث و يجوز أن نقول إن الاسم الذي هو «إنكم مخرجون» واقع موقع جواب شرط إذا و يرفع بفعل مضمر تقديره أ يعدكم إذا متم يعاد إخراجكم أو يحدث إخراجكم و يكون موضع إذا نصب بذلك الفعل فأما تقدير ارتفاع أن الثانية بالظرف في الآيتين الأخيرتين فقد تقدم بيانه في موضعيهما من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته فقد أجاز أبو عثمان و غيره إضمار الظرف و إعماله كما قالوا في انتصاب مثلهم في بيت الفرزدق

{فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم --- إذ هم قريش و إذ ما مثلهم بشر}

أنه على ظرف مضمر.

المعنى

ثم عطف سبحانه على قصة قوم نوح فقال «ثم أنشأنا من بعدهم» أي

أحدثنا و خلقنا من بعد قوم نوح «قرنا آخرين» أي جماعة آخرين من الناس و القرن أهل العصر على مقارنة بعضهم لبعض قيل يعني عاد أقوم هود لأنه المبعوث بعد نوح و قيل يعني ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة عن الجبائي «فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أ فلا تتقون» سبق تفسيره «و قال الملأ من قومه الذين كفروا و كذبوا بلقاء الآخرة» أي بالبعث و الجزاء «و أترفناهم في الحياة الدنيا» أي نعمناهم فيها بضروب الملاذ «ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه و يشرب مما تشربون» من الأشربة فليس هو أولى بالرسالة منا «و لئن أطعتم بشرا مثلكم» فيما يدعوكم إليه «إنكم إذا لخاسرون» باتباعه «أ يعدكم» هذا الرسول «إنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما» و صرتم بعد الموت رميما «إنكم مخرجون» من قبوركم أحياء «هيهات» فيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله «إنكم مخرجون» و المعنى هيهات هو أي بعد إخراجكم جدا حتى امتنع «هيهات لما توعدون» قال ابن عباس بعدا بعدا لما توعدون و قال الكلبي بعيد بعيد ما يعدكم ليوم البعث «إن هي إلا حياتنا الدنيا» أي ليس الحياة إلا الحياة التي نحن فيها القريبة منا «نموت و نحيا» أي يموت قوم منا و يحيا قوم و لا نبعث و قيل يموت الآباء و يحيا الأبناء عن الكلبي و قيل يموت قوم و يولد قوم «و ما نحن بمبعوثين» بعد ذلك «إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا» أي اختلق كذبا «و ما نحن له بمؤمنين» أي بمصدقين فيما يقول «قال رب انصرني بما كذبون» تقدم بيانه «قال» أي قال الله سبحانه «عما قليل» أي عن قليل من الزمان و الوقت يعني عند الموت لو عند نزول العذاب و ما هاهنا مزيدة «ليصبحن نادمين» هذا وعيد لهم و اللام للقسم.