۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الّذِينَ هُمْ فى صلاتهِمْ خَشِعُونَ (2) وَ الّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضونَ (3) وَ الّذِينَ هُمْ لِلزّكَوةِ فَعِلُونَ (4) وَ الّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظونَ (5) إِلا عَلى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَنهُمْ فَإِنهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْعَادُونَ (7) وَ الّذِينَ هُمْ لأَمَنَتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رَعُونَ (8) وَ الّذِينَ هُمْ عَلى صلَوَتهِمْ يحَافِظونَ (9) أُولَئك هُمُ الْوَرِثُونَ (10) الّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْس هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (11)

القراءة

قرأ ابن كثير لأمانتهم على الواحد هنا و في المعارج و الباقون لأماناتهم على الجمع و قرأ على صلاتهم بالأفراد أهل الكوفة غير عاصم و الباقون «على صلواتهم» على الجمع.

الحجة

قال أبو علي وجه الإفراد في الأمانة أنه مصدر و اسم جنس فيقع على الكثرة و وجه الجمع قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و مما أفردت فيه الأمانة و المراد به الكثرة ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من الأمانة أن أوتمنت المرأة على فرجها يريد تفسير قوله و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن و وجه الإفراد في الصلاة أنها مصدر و وجه الجمع أنها صارت بمنزلة الاسم لاختلاف أنواعها و الجمع فيه أقوى لأنه صار اسما شرعيا لانضمام ما لم يكن في أصل اللغة إليها.

المعنى

«قد أفلح المؤمنون» أي فاز بثواب الله الذين صدقوا بالله و بوحدانيته و برسله و قيل معنى أفلح بقي أي قد بقيت أعمالهم الصالحة و قيل معناه قد سعد قال لبيد

و لقد أفلح من كان عقل قال الفراء يجوز أن يكون قد هاهنا لتأكيد الفلاح للمؤمنين و يجوز أن يكون تقريبا للماضي من الحال أ لا تراهم يقولون قد قامت الصلاة قبل حال قيامها فيكون المعنى في الآية إن الفلاح قد حصل لهم و أنهم عليه في الحال ثم وصف هؤلاء المؤمنين بأوصاف فقال «الذين هم في صلاتهم خاشعون» أي خاضعون متواضعون متذللون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم و لا يلتفتون يمينا و لا شمالا و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه و في هذا دلالة على أن الخشوع في الصلاة يكون بالقلب و بالجوارح فأما بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجمع الهمة لها و الإعراض عما سواها فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود و أما بالجوارح فهو غض البصر و الإقبال عليها و ترك الالتفات و العبث قال ابن عباس خشع فلا يعرف من على يمينه و لا من على يساره و روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته فلما نزلت الآية طأطأ رأسه و رمى ببصره إلى الأرض

«و الذين هم عن اللغو معرضون» اللغو في الحقيقة هو كل قول أو فعل لا فائدة فيه يعتد بها فذلك قبيح محظور يجب الإعراض عنه و قال ابن عباس اللغو الباطل و قال الحسن هو جميع المعاصي و قال السدي هو الكذب و قال مقاتل هو الشتم فإن كفار مكة كانوا يشتمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه فنهوا عن إجابتهم و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال هو أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله و في رواية أخرى أنه الغناء و الملاهي «و الذين هم للزكاة فاعلون» أي مؤدون فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل قال أمية بن أبي الصلت المطعمون الطعام في السنة الأزمة و الفاعلون للزكوات قال ابن عباس للصدقة الواجبة مؤدون «و الذين هم لفروجهم حافظون» قال الليث الفرج اسم لجميع سوءات الرجال و النساء و المراد بالفروج هاهنا فروج الرجال بدلالة قوله «إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم» قال الزجاج المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم و أمروا بحفظه إلا على أزواجهم و دل على المحذوف ذكر اللوم في قوله «فإنهم غير ملومين» و ملك اليمين في الآية المراد به الإماء لأن الذكور من المماليك لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم و إنما قيل للجارية ملك يمين و لم يقل في الدار و نحوها ملك يمين لأن ملك الجارية أخص منه إذ يجوز له نقض بنية الدار و ليس له نقض بنية الجارية و له عارية الدار و ليس له عارية الجارية للوطء حتى توطأ بالعارية و إنما أطلق سبحانه إباحة وطء الأزواج و الإماء و إن كانت لهن أحوال يحرم وطؤهن فيها كحال الحيض و العدة للجارية من زوج لها و ما أشبه ذلك لأن الغرض بالآية بيان جنس من يحل وطؤها دون الأحوال التي لا يحل فيها الوطء «فمن ابتغى وراء ذلك» أي طلب سوى الأزواج و الولائد المملوكة «فأولئك هم العادون» أي الظالمون المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم «و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون» أي حافظون وافون و الأمانات ضربان أمانات الله تعالى و أمانات العباد فالأمانات التي بين الله تعالى و بين عباده هي العبادات كالصيام و الصلاة و الاغتسال و أمانات العباد هي مثل الودائع و العواري و البياعات و الشهادات و غيرها و أما العهد فعلى ثلاثة أضرب أوامر الله تعالى و نذور الإنسان و العقود الجارية بين الناس فيجب على الإنسان الوفاء بجميع ضروب الأمانات و العهود و القيام بما يتولاه منها «و الذين هم على صلواتهم يحافظون» أي يقيمونها في أوقاتها و لا يضيعونها و إنما أعاد ذكر الصلاة تنبيها على عظم قدرها و علو رتبتها عنده تعالى «أولئك هم الوارثون» معناه إن من كانوا بهذه الصفات

و اجتمعت فيهم هذه الخلال هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة و منزل في النار فإن مات و دخل النار ورث أهل الجنة منزله و قيل إن معنى الميراث هنا أنهم يصيرون إلى الجنة بعد الأحوال المتقدمة و ينتهي أمرهم إليها كالميراث الذي يصير الوارث إليه ثم وصف الوارثين فقال «الذين يرثون الفردوس» و هو اسم من أسماء الجنة عن الحسن و لذلك أنث فقال «هم فيها خالدون» و قيل هو اسم لرياض الجنة عن مجاهد و أبي علي الجبائي و قيل هو جنة مخصوصة ثم اختلف في أصله فقيل إنه اسم رومي فعرب و قيل هو عربي وزنه فعلول و هو البستان الذي فيه كرم قال جرير

يا بعد يبرين من باب الفراديس و قال الجبائي معنى الوراثة هنا أن الجنة و نعيمها يؤول إليهم من غير اكتساب كما يؤول المال إلى الوارث من غير اكتساب.