۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المؤمنون، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١٢ إلى ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢ ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤ ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨ فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ مِن سلَلَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثمّ جَعَلْنَهُ نُطفَةً فى قَرَارٍ مّكِينٍ (13) ثُمّ خَلَقْنَا النّطفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضغَةَ عِظماً فَكَسوْنَا الْعِظمَ لحَْماً ثُمّ أَنشأْنَهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَك اللّهُ أَحْسنُ الخَْلِقِينَ (14) ثمّ إِنّكم بَعْدَ ذَلِك لَمَيِّتُونَ (15) ثُمّ إِنّكمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكمْ سبْعَ طرَائقَ وَ مَا كُنّا عَنِ الخَْلْقِ غَفِلِينَ (17) وَ أَنزَلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ فَأَسكَنّهُ فى الأَرْضِ وَ إِنّا عَلى ذَهَابِ بِهِ لَقَدِرُونَ (18) فَأَنشأْنَا لَكم بِهِ جَنّتٍ مِّن نخِيلٍ وَ أَعْنَبٍ لّكمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنهَا تَأْكلُونَ (19)

القراءة

قرأ ابن عامر و أبو بكر عظما فكسونا العظم على الإفراد و قرأ زيد عن يعقوب عظما فكسونا العظام و الباقون على الجمع في الموضعين.

الحجة

قال أبو علي الجمع أشبه بما جاء في التنزيل إذا كنا عظاما و رفاتا إذا كنا عظاما نخرة من يحيي العظام و الإفراد لأنه اسم جنس فأفرد كما يفرد المصادر و غيرها من الأجناس نحو الدرهم و الإنسان و ليس ذلك على حد قوله:

{كلوا في بعض بطنكم تعفوا --- فإن زمانكم زمن خميص}

و لكنه على ما أنشده أبو زيد:

{لقد تعللت على أيانق --- صهب قليلات القراد اللازق}

فالقراد يراد به الكثرة لا محالة.

اللغة

السلالة اسم لما يسل من الشيء كالكساحة اسم لما يكسح و تسمى النطفة سلالة و الولد سلالة و سليلة و الجمع سلالات و سلائل فالسلالة صفوة الشيء التي يخرج منها كالسلافة قال الشاعر:

{و هل كنت إلا مهرة عربية --- سليلة أفراس تجللها بغل}

و النطفة الماء القليل و قد يقال للماء الكثير أيضا و منه قول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلوات مصارعهم دون النطفة يريد النهروان يعني الخوارج و منه الحديث حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا يعني بحر المشرق و بحر المغرب.

الإعراب

«في قرار» في موضع الصفة لنطفة و «علقة» حال من النطفة بعد الفراغ من الفعل و كذلك القول في مضغة و عظام و «لحما» مفعول ثان لكسونا و «خلقا» مصدر أنشأنا من غير لفظه «من نخيل و أعناب» صفة لجنات و كذلك قوله «لكم فيها فواكه كثيرة».

المعنى

ثم قال سبحانه على وجه القسم «و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من

طين» المراد بالإنسان ولد آدم (عليه السلام) و هو اسم الجنس فيقع على الجميع عن ابن عباس و مجاهد و أراد بالسلالة الماء يسل من الظهر سلا من طين أي من طين آدم لأنها تولدت من طين خلق آدم منه قال الكلبي يقول من نطفة سلت تلك النطفة من طين و قيل أراد بالإنسان آدم (عليه السلام) لأنه استل من أديم الأرض عن قتادة «ثم جعلناه» يعني ابن آدم الذي هو الإنسان «نطفة في قرار مكين» يعني الرحم مكن فيه الماء بأن هيأ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له «ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة» مفسر في سورة الحج «فخلقنا المضغة عظاما» أي جعلنا تلك المضغة من اللحم عظاما «فكسونا العظام لحما» أي فأنبتنا اللحم على العظام كاللباس.

بين سبحانه تنقل أحوال الإنسان في الرحم حتى استكمل خلقه لينبه على بدائع حكمته و عجائب صنعته و كمال نعمته «ثم أنشأناه خلقا آخر» أي نفخنا فيه الروح عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و الشعبي و الضحاك و قيل هو نبات الشعر و الأسنان و إعطاء الفهم عن قتادة و قيل يعني ثم أنشأناه ذكرا و أنثى عن الحسن «فتبارك الله أحسن الخالقين» أي تعالى الله و دام خبره و ثبت و قيل معناه استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل و لا يزال لأنه مأخوذ من البروك الذي هو الثبوت و قال «أحسن الخالقين» لأنه لا تفاوت في خلقه و أصل الخلق التقدير يقال خلقت الأديم إذا قسته لتقطع منه شيئا و قال حذيفة في هذه الآية تصنعون و يصنع الله و هو خير الصانعين و في هذا دليل على أن اسم الخلق قد يطلق على فعل غير الله تعالى إلا أن الحقيقة في الخلق لله سبحانه فقط فإن المراد من الخلق إيجاد الشيء مقدرا تقديرا لا تفاوت فيه و هذا إنما يكون من الله سبحانه و تعالى و دليله قوله إلا له الخلق و الأمر و روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما بلغ إلى قوله «خلقا آخر» خطر بباله «فتبارك الله أحسن الخالقين» فلما أملاها رسول الله كذلك قال عبد الله إن كان نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فلحق بمكة مرتدا و لو صح هذا فإن هذا القدر لا يكون معجزا و لا يمتنع أن يتفق ذلك من الواحد منا لكن هذا الشقي إنما اشتبه عليه أو شبه على نفسه لما كان في صدره من الكفر و الحسد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «ثم إنكم بعد ذلك» أي بعد ما ذكرنا من تمام الخلق «لميتون» عند انقضاء آجالكم «ثم إنكم يوم القيامة تبعثون» أي تحشرون إلى الموقف و الحساب و الجزاء أخبر الله سبحانه أن هذه البنية العجيبة المبنية على أحسن إتقان و إحكام تنقض بالموت لغرض صحيح و هو البعث و الإعادة و هذا لا يمنع من الإحياء في القبور لأن إثبات البعث في القيامة لا يدل على نفي ما عداه أ لا ترى أن الله سبحانه أحيا الذين أخرجوا من ديارهم و هم ألوف و أحيا قوم موسى على الجبل بعد ما أماتهم و في الآية

دلالة على فساد قول النظام في أن الإنسان هو الروح و قول معمر إن الإنسان شيء لا ينقسم و أنه ليس بجسم «و لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق» أي سبع سماوات كل سماء طريقة و سميت بذلك لتطارقها و هو أن بعضها فوق بعض و قيل لأنها طرائق الملائكة عن الجبائي و قيل الطرائق الطباق و كل طبقة طريقة عن ابن زيد و قيل إن ما بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام و كذلك ما بين السماء و الأرض عن الحسن «و ما كنا عن الخلق غافلين» إذ بنينا فوقهم سبع سماوات أطلعنا فيها الشمس و القمر و الكواكب و قيل معناه ما خلقناهم عبثا بل خلقناهم عالمين بأعمالهم و أحوالهم عن الجبائي و في هذا دلالة على أنه عالم بجميع المعلومات و فيه زجر عن السيئات و ترغيب في الطاعات «و أنزلنا من السماء ماء» أي مطرا و غيثا «بقدر» أي بقدر الحاجة لا يزيد على ذلك فيفسد و لا ينقص عنه فيهلك بل على ما توجبه المصلحة «فأسكناه في الأرض» أي جعلنا له الأرض مسكنا جمعناه فيه لينتفع به يريد ما يبقى في المستنقعات و الدحلان أقر الله الماء فيها لينتفع الناس بها في الصيف عند انقطاع المطر و قيل معناه جعلنا عيونا في الأرض و روى مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون و هو نهر الهند و جيحون و هو نهر بلخ و دجلة و الفرات و هما نهرا العراق و النيل و هو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة و أجراها في الأرض و جعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم و ذلك قوله «و أنزلنا من السماء ماء بقدر» الآية «و إنا على ذهاب به لقادرون» أي و نحن على إذهابه قادرون و لو فعلناه لهلك جميع الحيوانات نبه سبحانه بذلك على عظيم نعمته على خلقه بإنزال الماء من السماء «فأنشأنا لكم» أي أحدثنا و خلقنا لنفعكم «به» أي بسبب هذا الماء «جنات من نخيل و أعناب لكم» يا معاشر الخلق «فيها فواكه كثيرة» تتفكهون بها «و منها تأكلون» و إنما خص النخل و الأعناب لأنها ثمار الحجاز من المدينة و الطائف فذكرهم سبحانه بالنعم التي عرفوها.

النظم

وجه اتصال الآيات بما قبلها أنه سبحانه لما ذكر نعمته على المؤمنين بما أعد لهم في الآخرة ابتدأ بذكر نعمة عليهم في مبتدإ خلقه تنبيها لهم على النظر فيها و ترغيبا في التمسك بالحسنات المذكورة و لما بين أحوال الآخرة بين متى يكون البعث و دل بذلك على أن من قدر على خلق الإنسان في هذا الترتيب و التركيب العجيب قدر على الإعادة ثم أبان عن قدرته على البعث بقدرته على خلق السماوات ثم بين أنه لا يغفل عن عباده إذ لا يشغله

فعل عن فعل ثم بين أنه قادر لذاته حيث أنزل من السماء الماء و أسكنه في الأرض بأن فرقه في البحار و الأنهار و العيون ثم بين سبحانه أنه قادر على إذهابه دلالة على أن هذه النعمة وقعت باختياره ثم ذكر تفصيل النعمة.