۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحج، آية ٤٢

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢ وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣ وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤ فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

الّذِينَ إِن مّكّنّهُمْ فى الأَرْضِ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزّكوةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَ للّهِ عَقِبَةُ الأُمُورِ (41) وَ إِن يُكَذِّبُوك فَقَدْ كذّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عَادٌ وَ ثَمُودُ (42) وَ قَوْمُ إِبْرَهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ (43) وَ أَصحَب مَدْيَنَ وَ كُذِّب مُوسى فَأَمْلَيْت لِلْكفِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْف كانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَ هِىَ ظالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا وَ بِئرٍ مّعَطلَةٍ وَ قَصرٍ مّشِيدٍ (45)

القراءة

قرأ أهل البصرة أهلكتها بالتاء و الباقون «أهلكناها» و المعنى واحد.

اللغة

يقال خوت الدار خواء ممدودا فهي خاوية و خوى جوف الإنسان من الطعام خوى مقصورا فهو خوي و التعطيل إبطال العمل بالشيء و لهذا يقال للدهري معطل لأنه أبطل

العمل بالعلم على مقتضى الحكمة و المشيد المرتفع من الأبنية شاد الرجل بناه يشيده و شيده و يشيده قال عدي بن زيد:

{شاده مرمرا و جلله كلسا --- فللطير في ذرأه وكور}

و قال امرؤ القيس:

{و تيماء لم يترك بها جذع نخلة --- و لا أطمأ إلا مشيدا بجندل}

و قيل المشيد المجصص و المبني بالشيد و الشيد الجص و الجيار و الجيار الصاروج.

المعنى

ثم وصف سبحانه من ذكرهم من المهاجرين فقال «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة» و التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل فإن كان الفعل لا يصح إلا بآلة فالتمكين إعطاء تلك الآلة لمن فيه القدرة و كذلك إن كان لا يصح الفعل إلا بعلم و نصب و دلالة واضحة و سلامة و لطف و غير ذلك فالتمكين إعطاء جميع ذلك و إن كان الفعل يكفي في صحة وجوده مجرد القدرة فخلق القدرة التمكين فالمعنى الذين أعطيناهم ما به يصح الفعل منهم و سلطناهم في الأرض أدوا الصلاة بحقوقها و أعطوا ما افترض الله عليهم من الزكاة «و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر» و هذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و المعروف هو الحق لأنه يعرف صحته و المنكر هو الباطل لأنه لا يمكن معرفة صحته قال الزجاج هذه صفة من في قوله من ينصره و قال الحسن و عكرمة هم هذه الأمة و قال أبو جعفر (عليه السلام) ) نحن هم و الله «و لله عاقبة الأمور» هو كقوله و إلى الله ترجع الأمور و معناه أنه يبطل كل ملك سوى ملكه فتصير الأمور إليه بلا مانع و لا منازع ثم عزى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تكذيبهم إياه و خوف مكذبيه بذكر من كذبوا أنبيائهم فأهلكوا فقال «و إن يكذبوك» يا محمد «فقد كذبت قبلهم قوم نوح و عاد و ثمود و قوم إبراهيم و قوم لوط و أصحاب مدين» كل أمة من هؤلاء الأمم فقد كذبت نبيها ثم قال «و كذب موسى» و لم يقل و قوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل و كانوا آمنوا به و إنما كذبه فرعون و قومه «فأمليت للكافرين» أي أخرت عقوبتهم و أمهلتهم يقال أملى الله لفلان في العمر إذا أخر عنه أجله

«ثم أخذتهم» أي بالعذاب «فكيف كان نكير» استفهام معناه التقرير أي فكيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب فأبدلتهم بالنعمة نقمة و بالحياة هلاكا قال الزجاج المعنى ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار ثم ذكر سبحانه كيف عذب المكذبين فقال «فكأين من قرية أهلكناها» أي و كم من قرى أهلكناها و أخذناها و الاختيار التاء و ذلك لقوله «فأمليت» «و هي ظالمة» أي و أهلها ظالمون بالتكذيب و الكفر «فهي خاوية على عروشها» أي خالية من أهلها ساقطة على سقوفها «و بئر معطلة» عطف على قوله «من قرية» أي و كم من بئر بار أهلها و غار ماؤها و تعطلت من دلائها فلا مستقي منها و لا وارد لها «و قصر مشيد» أي و كم من قصر رفيع مجصص تداعى الخراب بهلاك أهله فلم يبق فيه داع و لا مجيب و أصحاب الآبار ملوك البدو و أصحاب القصور ملوك الحضر و في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) في قوله «و بئر معطلة» أن المعنى و كم من عالم لا يرجع إليه و لا ينتفع بعلمه و قال الضحاك هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضور أنزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح و معهم صالح فلما حضروا مات صالح فسمي المكان حضرموت ثم إنهم كثروا فكفروا و عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة فقتلوه في السوق فأهلكهم الله فماتوا عن آخرهم و عطلت بئرهم و خرب قصر ملكهم.