۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحج، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ١٩ إلى ٢٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩ يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠ وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢ إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣ وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

هَذَانِ خَصمَانِ اخْتَصمُوا فى رَبهِمْ فَالّذِينَ كفَرُوا قُطعَت لهَُمْ ثِيَابٌ مِّن نّارٍ يُصب مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَْمِيمُ (19) يُصهَرُ بِهِ مَا فى بُطونهِمْ وَ الجُْلُودُ (20) وَ لهَُم مّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كلّمَا أَرَادُوا أَن يخْرُجُوا مِنهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُوا فِيهَا وَ ذُوقُوا عَذَاب الحَْرِيقِ (22) إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ يحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَساوِرَ مِن ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبَاسهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَ هُدُوا إِلى الطيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى صرَطِ الحَْمِيدِ (24)

القراءة

قرأ أهل المدينة و عاصم «و لؤلؤا» بالنصب و في سورة فاطر مثله و الباقون بالجر في الموضعين إلا يعقوب فإنه قرأ هاهنا بالنصب و في فاطر بالجر و ترك أبو جعفر و أبو بكر و شجاع الهمزة الأولى منه في جميع القرآن و في الشواذ قراءة ابن عباس يحلون بفتح الياء و تخفيف اللام.

الحجة

قال أبو علي وجه الجر في لؤلؤ أنهم يحلون فيها من أساور من ذهب و من لؤلؤ و وجه النصب أنه على و يحلون لؤلؤا و يجوز أن يكون عطفا على موضع الجار و المجرور لأن المعنى في يحلون فيها من أساور يحلون أساور و قال ابن جني يحلون من حلي يحلى يقال لم أحل منه بطائل أي لم أظفر و يجوز أن يكون من قولهم امرأة حالية أي ذات حلي.

اللغة

الخصم يستوي فيه الواحد و الجمع و الذكر و الأنثى يقال رجل خصم و رجلان خصم و رجال خصم و نساء خصم و قد يجوز في الكلام هذان خصمان اختصموا و هؤلاء خصم اختصموا قال الله تعالى «و هل أتيك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب» و هكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو أخبر بها نحو عدل و رضى و صوم و فطر و زور و حري و قمن و ما أشبه ذلك و إنما قال في الآية خصمان لأنهما جمعان و ليسا برجلين و مثله و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا و الحميم الماء المغلى و الصهر الإذابة يقال صهرته فانصهر قال

{تروي لقي ألقي في صفصف --- تصهره الشمس فما ينصهر}

يعني ولدها و المقامع جمع مقمعة و هي مدقة الرأس من قمعه قمعا إذا ردعه و الحريق بمعنى المحرق كالأليم و الأساور جمع أسوار و فيه ثلاث لغات أسوار بالألف و سوار و سوار بالكسر و الضم و الجمع أسورة.

النزول

قيل نزلت الآية «هذان خصمان اختصموا» في ستة نفر من المؤمنين و الكفار تبارزوا يوم بدر و هم حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة و علي بن أبي طالب (عليه السلام) قتل

الوليد بن عتبة و عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب قتل شيبة بن ربيعة عن أبي ذر الغفاري و عطا و كان أبو ذر يقسم بالله تعالى أنها نزلت فيهم و رواه البخاري في الصحيح و قيل نزلت في أهل القرآن و أهل الكتاب عن ابن عباس و قيل في المؤمنين و الكافرين عن الحسن و مجاهد و الكلبي و هذا قول أبي ذر إلا أن هؤلاء لم يذكروا يوم بدر.

المعنى

لما تقدم ذكر المؤمنين و الكافرين بين سبحانه ما أعده لكل واحد من الفريقين فقال «هذان خصمان» أي جمعان فالفرق الخمسة الكافرة خصم و المؤمنون خصم و قد ذكروا في قوله «إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين» الآية «اختصموا في ربهم» أي في دين ربهم فقالت اليهود و النصارى للمسلمين نحن أولى بالله منكم لأن نبينا قبل نبيكم و ديننا قبل دينكم و قال المسلمون بل نحن أحق بالله منكم آمنا بكتابنا و كتابكم و نبينا و نبيكم و كفرتم أنتم بنبينا حسدا فكان هذا خصومتهم و قيل إن معنى اختصموا اقتتلوا يوم بدر «فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار» قال ابن عباس حين صاروا إلى جهنم لبسوا مقطعات النيران و هي الثياب القصار و قيل يجعل لهم ثياب نحاس من نار و هي أشد ما تكون حرا عن سعيد بن جبير و قيل أن النار تحيط بهم كإحاطة اللثياب التي يلبسونها بهم «يصب من فوق رءوسهم الحميم» أي الماء المغلى فيذيب في ما بطونهم من الشحوم و تساقط الجلود و في خبر مرفوع أنه يصب على رءوسهم الحميم فينفذ إلى أجوافهم فيسلت ما فيها «يصهر به ما في بطونهم و الجلود» أي يذاب و ينضج بذلك الحميم ما فيها من الأمعاء و تذاب به الجلود «و لهم مقامع من حديد» قال الليث المقمعة شبه الجرز من الحديد يضرب بها الرأس و روى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله «و لهم مقامع من حديد» لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض و قال الحسن إن النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة فذلك قوله «كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها» أي كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم و الكرب الذي يأخذ بأنفسهم حين ليس لها مخرج ردوا إليها بالمقامع «و ذوقوا عذاب الحريق» أي و يقال لهم ذوقوا و الذوق طلب إدراك الطعم و الحريق الاسم من الاحتراق قال الزجاج هذا لأحد الخصمين و قال في الخصم الذين هم المؤمنون «إن الله يدخل الذين آمنوا» بالله و أقروا بوحدانيته «و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار» أي من تحت أبنيتها و أشجارها «يحلون فيها» أي يلبسون الحلي فيها «من أساور» و هي حلي اليد «من ذهب و لؤلؤا» أي و من لؤلؤ «و لباسهم فيها حرير» أي ديباج حرم الله سبحانه لبس

الحرير على الرجال في الدنيا و شوقهم إليه في الآخرة فأخبر أن لباسهم في الجنة حرير «و هدوا إلى الطيب من القول» أي أرشدوا في الجنة إلى التحيات الحسنة يحيي بعضهم بعضا و يحييهم الله و ملائكته بها و قيل معناه أرشدوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله و الحمد لله عن ابن عباس و زاد ابن زيد و الله أكبر و قيل أرشدوا إلى القرآن عن السدي و قيل إلى القول الذي يتلذونه و يشتهونه و تطيب به نفوسهم و قيل إلى ذكر الله فهم به يتنعمون «و هدوا إلى صراط الحميد» و الحميد هو الله المستحق للحمد المستحمد إلى عباده بنعمه عن الحسن أي الطالب منهم أن يحمدوه و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ما أحد أحب إليه الحمد من الله عز ذكره و صراط الحميد هو طريق الإسلام و طريق الجنة.