۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٨٤

التفسير يعرض الآيات ٨١ إلى ٨٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١ وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢ ۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥ وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لِسلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تجْرِى بِأَمْرِهِ إِلى الأَرْضِ الّتى بَرَكْنَا فِيهَا وَ كنّا بِكلِّ شىْءٍ عَلِمِينَ (81) وَ مِنَ الشيَطِينِ مَن يَغُوصونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِك وَ كُنّا لَهُمْ حَفِظِينَ (82) وَ أَيّوب إِذْ نَادَى رَبّهُ أَنى مَسنىَ الضرّ وَ أَنت أَرْحَمُ الرّحمِينَ (83) فَاستَجَبْنَا لَهُ فَكَشفْنَا مَا بِهِ مِن ضرٍّ وَ ءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُم مّعَهُمْ رَحمَةً مِّنْ عِندِنَا وَ ذِكرَى لِلْعَبِدِينَ (84) وَ إِسمَعِيلَ وَ إِدْرِيس وَ ذَا الْكِفْلِ كلّ مِّنَ الصبرِينَ (85) وَ أَدْخَلْنَهُمْ فى رَحْمَتِنَا إِنّهُم مِّنَ الصلِحِينَ (86)

اللغة

الريح هو الجو يشتد تارة و يضعف تارة و هي جسم لطيف منفش يمتنع بلطفه من القبض عليه و يظهر للحس بحركته و العصوف شدة حركة الريح عصفت تعصف عصفا و عصوفا إذا اشتدت و العصف التبن لأن الريح تعصفه بتطييرها له.

الإعراب

«و لسليمان» اللام يتعلق بسخرنا و التقدير و سخرنا لداود الجبال و سخرنا لسليمان الريح «عاصفة» نصب على الحال «تجري بأمره» في موضع الحال أيضا فهو حال بعد حال و يحتمل أن يكون حالا عن الحال التي هي عاصفة و «من يغوصون» له عطف على الريح «و من الشياطين» في موضع نصب على الحال من سخرنا و ذو الحال «من يغوصون له» و يجوز أن يكون حالا من يغوصون له و ذو الحال الواو و معهم في موضع نصب على أنه صفة بعد صفة تقديره و أهلا مثلهم كائنين معهم و انتصب رحمة بأنه مفعول له.

المعنى

ثم عطف سبحانه بقصة سليمان على ما تقدم فقال «و لسليمان الريح» أي و سخرنا لسليمان الريح «عاصفة» أي شديدة الهبوب قال ابن عباس إذا أراد أن تعصف الريح عصفت و إذا أراد أن ترخي أرخيت و ذلك قوله رخاء حيث أصاب «تجري بأمره» أي بأمر سليمان «إلى الأرض التي باركنا فيها» و هي أرض الشام لأنها كانت ماواه و قد سبق

ذكرها في هذه السورة و قيل كانت الريح تجري في الغداة مسيرة شهر و في الرواح كذلك و كان يسكن بعلبك و يبني له بيت المقدس و يحتاج إلى الخروج إليها و إلى غيرها و قال وهب و كان سليمان يخرج إلى مجلسه فتعكف عليه الطير و يقوم له الجن و الإنس حتى يجلس على سريره و يجتمع معه جنوده ثم تحمله الريح إلى حيث أراد «و كنا بكل شيء عالمين» فإنما أعطيناه ما أعطيناه لما علمناه من المصلحة «و من الشياطين من يغوصون له» أي و سخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر فيخرجون له الجواهر و اللآلىء و الغوص النزول إلى تحت الماء «و يعملون عملا دون ذلك» أي سوى ذلك من الأبنية كالمحاريب و التماثيل و غيرهما «و كنا لهم حافظين» لئلا يهربوا منه و يمتنعوا عليه و قيل يحفظهم الله من أن يفسدوا ما عملوه عن الفراء و الزجاج «و أيوب إذ نادى ربه» أي و اذكر يا محمد أيوب حين دعا ربه لما امتدت المحنة به «إني مسني الضر» أي نالني الضر و أصابني الجهد «و أنت أرحم الراحمين» أي و لا أحد أرحم منك و هذا تعريض منه بالدعاء لإزالة ما به من البلاء و هو من لطيف الكنايات في طلب الحاجات و مثله قول موسى رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير «فاستجبنا له» أي أجبنا دعاءه و نداءه «فكشفنا ما به من ضر» أي أزلنا ما به من الأوجاع و الأمراض «و آتيناه أهله و مثلهم معهم» قال ابن عباس و ابن مسعود رد الله سبحانه عليه أهله الذين هلكوا بأعيانهم و أعطاه مثلهم معهم و كذلك رد الله عليه أمواله و مواشيه بأعيانها و أعطاه مثلها معها و به قال الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل أنه خير أيوب فاختار إحياء أهله في الآخرة و مثلهم في الدنيا فأوتي على ما اختار عن عكرمة و مجاهد قال وهب و كان له سبع بنات و ثلاثة بنين و قال ابن يسار سبعة بنين و سبع بنات «رحمة من عندنا» أي نعمة منا عليه «و ذكرى للعابدين» أي موعظة لهم في الصبر و الانقطاع إلى الله تعالى و التوكل عليه لأنه لم يكن في عصر أيوب أحد أكرم على الله منه فابتلاه بالمحن العظيمة فأحسن الصبر عليها فينبغي لكل عاقل إذا أصابته محنة أن يصبر عليها و لا يجزع و يعلم أن عاقبة الصبر محمودة «و إسماعيل و إدريس و ذا الكفل» أي و اذكر هؤلاء الأنبياء و ما أنعمت عليهم من فنون النعمة ثم قال «كل من الصابرين» صبروا على بلاء الله و العمل بطاعته فأما إسماعيل فإنه صبر ببلد لا زرع به و لا ضرع و قام ببناء الكعبة و أما إدريس فإنه صبر على الدعاء إلى الله و كان أول من بعث إلى قومه فدعاهم إلى الدين فأبوا فأهلكهم الله تعالى و رفعه إلى السماء السادسة و أما ذو الكفل فاختلف فيه فقيل أنه كان رجلا صالحا و لم يكن نبيا و لكنه تكفل لنبي بصوم النهار و قيام الليل و أن لا يغضب و يعمل بالحق فوفى بذلك فشكر الله ذلك له عن أبي موسى الأشعري و قتادة و مجاهد و قيل هو نبي اسمه

ذو الكفل عن الحسن قال و لم يقص الله خبره مفصلا و قيل هو إلياس عن ابن عباس و قيل كان نبيا و سمي ذا الكفل بمعنى أنه ذو الضعف فله ضعف ثواب غيره ممن هو في زمانه لشرف عمله عن الجبائي و قيل هو اليسع بن خطوب الذي كان مع إلياس و ليس اليسع الذي ذكره الله في القرآن تكفل لملك جبار إن هو تاب دخل الجنة و دفع إليه كتابا بذلك فتاب الملك و كان اسمه كنعان فسمي ذا الكفل و الكفل في اللغة هو الخط و في كتاب النبوة بالإسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أسأله عن ذي الكفل و ما اسمه و هل كان من المرسلين فكتب (عليه السلام) أن الله بعث مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي المرسلين منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا و إن ذا الكفل منهم و كان بعد سليمان بن داود (عليهما السلام) و كان يقضي بين الناس كما يقضي داود (عليه السلام) و لم يغضب قط إلا لله تعالى و كان اسمه عدويا بن أدارين «و أدخلناهم في رحمتنا» أي و أدخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من الأنبياء في نعمتنا و أراد غمرناهم بالرحمة و لو قال رحمناهم لما أفاد ذلك بل أفاد أنه فعل بهم الرحمة «إنهم من الصالحين» أي إنما أدخلناهم في رحمتنا لأنهم كانوا ممن صلحت أعمالهم.