۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٦٢

التفسير يعرض الآيات ٦١ إلى ٧٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١ قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣ فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥ قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦ أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩ وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْينِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشهَدُونَ (61) قَالُوا ءَ أَنت فَعَلْت هَذَا بِئَالهَِتِنَا يَإِبْرَهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ هَذَا فَسئَلُوهُمْ إِن كانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنّكُمْ أَنتُمُ الظلِمُونَ (64) ثمّ نُكِسوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْت مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُكمْ شيْئاً وَ لا يَضرّكُمْ (66) أُفٍ لّكمْ وَ لِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَ انصرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِن كنتُمْ فَعِلِينَ (68) قُلْنَا يَنَارُ كُونى بَرْداً وَ سلَماً عَلى إِبْرَهِيمَ (69) وَ أَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَهُمُ الأَخْسرِينَ (70)

اللغة

النكس هو أن يجعل أسفل الشيء أعلاه و منه النكس في العلة و هو أن يرجع إلى أول حاله و منه النكس و هو السهم فوقه فيجعل أعلاه أسفله و يقال للمائق أيضا نكس تشبيها بذلك.

الإعراب

«على أعين الناس» في موضع الحال أي مرئيا مشهودا «بل فعله كبيرهم هذا» من وقف على فعله ففاعله مضمر و تقديره فعله من فعله و «كبيرهم» مبتدأ و هذا خبره و من لم يقف على فعله فكبيرهم فاعله و هذا يكون صفة لكبيرهم أو بدلا عنه و جواب الشرط الذي هو قوله «إن كانوا ينطقون» محذوف يدل عليه قوله «بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم» على الوجه الثاني و يقتضي أن يكون للشرط جزآن على هذا و الجزاء الثاني معطوف على الأول التقدير إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا فسألوهم و المعنى إن لم يقدروا على النطق لم يقدروا على الفعل.

المعنى

ثم ذكر سبحانه ما جرى بين إبراهيم و قومه في أمر الأصنام بقوله «قالوا» يعني قوم إبراهيم «فأتوا به» أي فجيئوا به «على أعين الناس» أي بحيث يراه الناس و يكون بمشهد منهم «لعلهم يشهدون» عليه بما قاله فيكون ذلك حجة عليه بما فعل عن الحسن و قتادة و السدي قالوا كرهوا أن يأخذوه بغير بينة و قيل معناه لعلهم يشهدون عقابه و ما يصنع به أي يحضرونه عن ابن إسحاق و الضحاك «قالوا أ أنت فعلت هذا بإلهتنا يا إبراهيم» المعنى فلما جاءوا به قالوا له هذا القول مقررين له على ذلك فأجابهم إبراهيم (عليه السلام) بأن «قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون» اختلفوا في معناه و تقديره على وجوه ( أحدها ) أنه مقيد بقوله «إن كانوا ينطقون» و التقدير فقد فعله كبيرهم إن نطقوا فسألوهم فقد علق الكلام بشرط لا يوجد فلا يكون كذبا و يكون كقول القائل فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء ( و ثانيها ) إنه خرج مخرج الخبر و ليس بخبر إنما هو إلزام يدل عليه الحال فكأنه قال ما ينكرون أن يكون فعله كبيرهم هذا و الإلزام يأتي تارة بلفظ السؤال و تارة بلفظ الأمر و تارة بلفظ الخبر و ربما يكون أحد هذه الأمور أبلغ فيه و وجه الإلزام إن هذه الأصنام إن كانت آلهة كما تزعمون فإنما فعل ذلك بهم كبيرهم لأن غير الإله لا يقدر أن يكسر الآلهة ( و ثالثها ) إن تقديره فعله من فعله على ما تقدم ذكره و هو قول

الكسائي و أما ما ذكر فيه أنه أراد به الخبر عن الكبير و قال أنه غضب من أن يعبد معه الصغار فكسرهن و ما روي في ذلك من أن إبراهيم (عليه السلام) كذب ثلاث كذبات قوله إني سقيم و قوله «بل فعله كبيرهم» و قوله في سارة لما أراد الجبار أخذها و كانت زوجته أنها أختي فمما لا يعول عليه فقد دلت الأدلة العقلية التي لا تحتمل التأويل على أن الأنبياء لا يجوز عليهم الكذب و إن لم يقصدوا به غرورا و لا ضررا كما لا يجوز عليهم التعمية في الأخبار و لا التقية لأن ذلك يؤدي إلى التشكك في أخبارهم و كلام إبراهيم (عليه السلام) يجوز أن يكون من المعاريض فقد أبيح ذلك عند الضرورة و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال إن الكذب لا يصلح في جد و لا هزل و قد قيل في تفسير قوله إني سقيم إن معناه أني سأسقم لأنه لما نظر إلى بعض علم النجوم وقت نوبة حمى كانت تأتيه فقال إني سأسقم و قيل معناه إني سقيم عندكم فيما أدعوكم إليه و سنذكر الكلام فيه في موضعه و أما قوله في سارة أنها أختي فإنما أراد في الدين قال سبحانه إنما المؤمنون إخوة و قد دل الدليل العقلي على أن الكذب قبيح لكونه كذبا فلا يحسن على وجه من الوجوه «فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون» معناه فرجع بعضهم إلى بعض و قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون حيث تعبدون ما لا يقدر على الدفع عن نفسه و ما نرى الأمر إلا كما قال و قيل معناه فرجعوا إلى عقولهم و تدبروا في ذلك إذ علموا صدق إبراهيم فيما قاله و حاروا عن جوابه فأنطقهم الله بالحق فقالوا إنكم أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤاله و هذه آلهتكم حاضرة فاسألوها «ثم نكسوا على رءوسهم» إذ تحيروا و علموا أنها لا تنطق ثم اعترفوا بما هو حجة عليهم فقالوا «لقد علمت» يا إبراهيم «ما هؤلاء ينطقون» فكيف نسألهم فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة «قال أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا و لا يضركم» أي أ فتوجهون عبادتكم إلى الأصنام التي لا تنفعكم شيئا إن عبدتموها و لا تضركم إن تركتموها لأنها لو قدرت على نفعكم و ضركم لدفعت عن أنفسها من دون الله سبحانه الذي يقدر على ضرركم و نفعكم على أنه ليس كل من قدر على الضر و النفع استحق العبادة و إنما يستحقها من قدر على أصول النعم التي هي الحياة و الشهوة و القدرة و كمال العقل و قدر على الثواب و العقاب ثم قال إبراهيم (عليه السلام) مهجنا لأفعالهم مستقذرا لها «أف لكم و لما تعبدون من دون الله» قال الزجاج معنى أف لكم تبا لأعمالكم و أفعالكم و قد ذكرنا اختلاف القراء فيه و ما قيل في تفسيره في سورة بني إسرائيل «أ فلا تعقلون» أي أ فلا تتفكرون بعقولكم في أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة «قالوا حرقوه» و المعنى فلما سمعوا منه هذا القول قال بعضهم لبعض حرقوه بالنار «و انصروا آلهتكم» أي و ادفعوا عنها

و عظموها «إن كنتم فاعلين» أي إن كنتم ناصريها و المعنى فلا تنصرونها إلا بتحريقه بالنار قال ابن عمر و مجاهد إن الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار رجل من أكراد فارس فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة و قال وهب إنما قاله نمرود و في الكلام حذف قال السدي فجمعوا الحطب حتى أن الرجل منهم ليمرض فيوصي بكذا و كذا من ماله فيشترى به حطب و حتى أن المرأة لتغزل فتشتري به حطبا حتى بلغوا من ذلك ما أرادوا فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار لم يدروا كيف يلقونه فجاء إبليس فدلهم على المنجنيق و هو أول منجنيق صنعت فوضعوه فيها ثم رموه «قلنا يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم» معناه فلما جمعوا الحطب و ألقوه في النار قلنا للنار ذلك و هذا مثل فإن النار جماد لا يصح خطابه و المراد أنا جعلنا النار بردا عليه و سلامة لا يصيبه من أذاها شيء كما قال سبحانه و تعالى كونوا قردة خاسئين و المعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم و أمرهم بذلك و قيل يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك و يكون ذلك صلاحا للملائكة و لطفا لهم و ذكر في كون النار بردا على إبراهيم وجوه ( أحدها ) إن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة التي فيها فلم تؤذه ( و ثانيها ) إن الله سبحانه حال بينها و بينه فلم تصل إليه ( و ثالثها ) إن الإحراق إنما يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات و على الجملة فقد علمنا إن الله سبحانه منع النار من إحراقه و هو أعلم بتفاصيله قال أبو العالية لو لم يقل سبحانه «و سلاما» لكانت تؤذيه من شدة بردها و لكان بردها أشد عليه من حرها فصارت سلاما عليه و لو لم يقل «على إبراهيم» لكان بردها باقيا على الأبد و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ) لما أجلس إبراهيم في المنجنيق و أرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال السلام عليك يا إبراهيم و رحمة الله و بركاته أ لك حاجة فقال أما إليك فلا فلما طرحوه دعا الله فقال يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد فحسرت النار عنه و أنه لمحتب و معه جبرائيل (عليه السلام) و هما يتحدثان في روضة خضراء و روى الواحدي بالإسناد مرفوعا إلى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم (عليه السلام) في النار نزل إليه جبرائيل (عليه السلام) بقميص من الجنة و طنفسة من الجنة فألبسه القميص و أقعده على الطنفسة و قعد معه يحدثه تمام الخبر و قال كعب ما أحرقت النار من إبراهيم (عليه السلام) غير وثاقه و قيل إن إبراهيم (عليه السلام) ألقي في النار و هو ابن ست عشرة سنة «و أرادوا به كيدا» معناه إن الكفار أرادوا بإبراهيم (عليه السلام) كيدا أي شرا و تدبيرا في إهلاكه «فجعلناهم الأخسرين» قال ابن عباس هو أن سلط الله على نمرود و خيله البعوض حتى

أخذت لحومهم و شربت دماءهم و وقعت واحدة في دماغه حتى أهلكته و المعنى أنهم كادوه أرادوا أن يكيدوه بسوء فانقلب عليهم ذلك.