۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٣١

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١ وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣ وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ جَعَلْنَا فى الأَرْضِ رَوَسىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سبُلاً لّعَلّهُمْ يهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السمَاءَ سقْفاً محْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ ءَايَتهَا مُعْرِضونَ (32) وَ هُوَ الّذِى خَلَقَ الّيْلَ وَ النهَارَ وَ الشمْس وَ الْقَمَرَ كلّ فى فَلَكٍ يَسبَحُونَ (33) وَ مَا جَعَلْنَا لِبَشرٍ مِّن قَبْلِك الْخُلْدَ أَ فَإِين مِّت فَهُمُ الخَْلِدُونَ (34) كلّ نَفْسٍ ذَائقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُم بِالشرِّ وَ الخَْيرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)

اللغة

الرواسي الجبال رست ترسو رسوا إذا ثبتت بثقلها فهي راسية كما ترسو السفينة إذا وقفت متمكنة في وقوفها و الميد الاضطراب بالذهاب في الجهات و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و الفلك أصله كل شيء دائر و منه فلكة المغزل و يقال فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار و السباحة و العوم و السبح و الجري بمعنى.

الإعراب

«أن تميد بكم» في موضع نصب بأنه مفعول له و تقديره كراهة أن تميد بكم أو حذار أن تميد و من قال أن لا هنا مضمرة و التقدير لأن لا تميد فلا وجه لقوله و «سبلا» بدل من فجاج لأن الفج هو السبيل «كل في فلك يسبحون» جملة اسمية في موضع الحال و في يتعلق بيسبحون «أ فإن مت فهم الخالدون» شرط و جزاء دخلت الفاء في الشرط و في الجزاء و قوله «فتنة» مفعول له و المعنى للفتنة و يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال أي نبلوكم فاتنين و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر لأن البلاء بمعنى الفتنة.

المعنى

ثم بين سبحانه كمال قدرته و شمول نعمته بأن قال «و جعلنا في الأرض رواسي» أي جبالا ثوابت تمنع الأرض من الحركة و الاضطراب «أن تميد بهم» أي تتحرك

و تميل و تضطرب بهم و قيل لتستقر عن قتادة «و جعلنا فيها» أي في الرواسي «فجاجا» أي طرقا واسعة بينها لو لا ذلك لما أمكن أن يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار ثم بين الفجاج فقال «سبلا لعلهم يهتدون» بها إلى طريق بلادهم و مواطنهم و قيل ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم «و جعلنا السماء سقفا محفوظا» أي رفعنا السماء فوق الخلق كالسقف محفوظا من الشياطين بالشهب التي ترمي بها كما قال و حفظناها من كل شيطان رجيم عن الجبائي و قيل محفوظا من أن تسقط كما قال إن الله يمسك السماوات و الأرض أن تزولا الآية و قيل محفوظا من أن يطمع أحد في أن يتعرض لها بنقض أو أن يحلقها بلى أو هدم على طول الدهر عن الحسن «و هم عن آياتها» أي عن الاستدلال بما فيها من دلائل الحدوث و الحاجة إلى المحدث «معرضون» أي أعرضوا عن التفكر فيها «و هو الذي خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كل في فلك يسبحون» أي يجرون و قيل يدورون و أراد الشمس و القمر و النجوم لأن قوله «الليل» يدل على النجوم و قال ابن عباس يسبحون بالخير و الشر بالشدة و الرخاء و قيل معناه أنه سبحانه جعل لكل واحد منهما فلكا يدور فيه بسرعة كالسباحة و إنما قال «يسبحون» لأنه أضاف إليها فعل العقلاء كما قال و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين و قال النابغة الجعدي:

{تمززتها و الديك يدعو صياحه --- إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا}

ثم قال سبحانه «و ما جعلنا لبشر من قبلك» يا محمد «الخلد» أي دوام البقاء في الدنيا «أ فإن مت» أنت على ما يتوقعونه و ينتظرونه «فهم الخالدون» أي أ فهم يخلدون بعدك يعني مشركي مكة حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون فقال لئن مت فإنهم أيضا يموتون فأي فائدة لهم في تمني موتك «كل نفس ذائقة الموت» أي لا بد لكل نفس حية بحياة أن يدخل عليها الموت و تخرج عن كونها حية «و نبلوكم بالشر و الخير» أي نعاملكم معاملة المختبر بالفقر و الغنى و بالضراء و السراء و بالشدة و الرخاء عن ابن عباس و قيل بما تكرهون و ما تحبون ليظهر صبركم على ما تكرهون و شكركم فيما تحبون عن ابن زيد و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرض فعاده إخوانه فقالوا كيف تجدك يا أمير المؤمنين قال بشر قالوا ما هذا كلام مثلك قال إن الله تعالى يقول «و نبلوكم بالشر و الخير فتنة» فالخير الصحة و الغنى و الشر المرض و الفقر و قال بعض الزهاد الشر غلبة الهوى على النفس و الخير العصمة عن المعاصي «فتنة» أي ابتلاء و اختبار أو شدة تعبد «و إلينا ترجعون» أي إلى حكمنا تردون للجزاء بالأعمال حسنها و سيئها.

النظم

يتصل قوله «و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد» بما ذكر سبحانه من خلق الأشياء فإنه بين أنه لم يخلقها للخلود و إنما خلقها ليتوصل بها إلى نعيم الآخرة فلا بد لكل إنسان من الموت و الرجوع إلى الجزاء عن القاضي.