۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٨٤

التفسير يعرض الآيات ٧٧ إلى ٨٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨ وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١ وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢ ۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنْ أَسرِ بِعِبَادِى فَاضرِب لهَُمْ طرِيقاً فى الْبَحْرِ يَبَساً لا تخَف دَرَكاً وَ لا تخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بجُنُودِهِ فَغَشِيهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيهُمْ (78) وَ أَضلّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ مَا هَدَى (79) يَبَنى إِسرءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَكم مِّنْ عَدُوِّكمْ وَ وَعَدْنَكمْ جَانِب الطورِ الأَيْمَنَ وَ نَزّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَ السلْوَى (80) كلُوا مِن طيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَ لا تَطغَوْا فِيهِ فَيَحِلّ عَلَيْكمْ غَضبى وَ مَن يحْلِلْ عَلَيْهِ غَضبى فَقَدْ هَوَى (81) وَ إِنى لَغَفّارٌ لِّمَن تَاب وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صلِحاً ثمّ اهْتَدَى (82) وَ مَا أَعْجَلَك عَن قَوْمِك يَمُوسى (83) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِى وَ عَجِلْت إِلَيْك رَب لِترْضى (84) قَالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَك مِن بَعْدِك وَ أَضلّهُمُ السامِرِى (85) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضبَنَ أَسِفاً قَالَ يَقَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبّكُمْ وَعْداً حَسناً أَ فَطالَ عَلَيْكمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتّمْ أَن يحِلّ عَلَيْكُمْ غَضبٌ مِّن رّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مّوْعِدِى (86)

القراءة

قرأ حمزة لا تخف جزما و الباقون «لا تخاف» و قرأ أهل الكوفة غير عاصم قد أنجيتكم و واعدتكم و رزقتكم و قرأ الباقون «قد أنجيناكم» و «واعدناكم» و «رزقناكم» بالنون و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و يعقوب و سهل و وعدناكم بغير الألف و الباقون بالألف و قرأ الكسائي فيحل بضم الحاء و من يحلل بضم اللام و الباقون بالكسر في الموضعين.

الحجة

قال أبو علي من رفع قوله «لا تخاف» فإنه حال من الفاعل في أضرب أي غير خائف و لا خاش و يجوز أن يقطعه من الأول أي أنت لا تخاف و من قرأ لا تخف جعله جواب الشرط أي إن تضرب لا تخف دركا ممن خلقك و لا تخش غرقا بين يديك فأما من قال لا تخف دركا ثم لا تخشى فيجوز أن يعطيه من الأول أي إن تضرب لا تخف و أنت لا تخشى و لا يحمله على قول الشاعر

{كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا}

و لا على نحو

إذا العجوز غضبت فطلق و لا ترضيها و لا تملق لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كما أن قوله

{أ لم يأتيك و الأنباء تنمي --- بما لاقت لبون بني زياد}

كذلك و لكنك تقدر إنك حذفت الألف المنقلبة عن اللام ثم أشبعت الفتحة لأنها في فاصلة فأثبت الألف الناشئة عن إشباع الفتحة و مثل هذا مما ثبت في الفاصلة قوله فأضلونا السبيلا و قد جاء إشباع هذه الفتحة في كلامهم قال و

{أنت عن الغوائل حين ترمي --- و من ذم الرجال بمنتزاح}

أي بمنتزح و حجة من قرأ وعدناكم إن ذلك يكون من الله سبحانه قال أبو الحسن زعموا أن واعدناكم لغة في وعدناكم فإذا كان كذلك فاللفظ لا يدل على أن الفعل من اثنين فيكون القراءة بوعد أحسن لأن واعد بمعنى وعد و يعلم من وعد أنه فعل واحد لا محالة و ليس واعد كذلك فالأخذ بالأبين أولى و من قرأ «أنجيناكم» و «واعدناكم» فحجته قوله «و نزلنا عليكم المن و السلوى» و حجة من قرأ «يحل» بكسر الحاء أنه روي في زمزم إنه لشارب حل أي مباح له غير محظور عليه و لا ممنوع عنه فالحل و الحلال في المعنى مثل المباح فهو خلاف الحظر و الحجر و الحرام و الحرم فهذه الألفاظ معناها المنع و المباح من قولهم باح بالسر و الأمر يبوح به إذا لم يجعل دونه حظرا فمعنى يحل عليكم ينزل بكم و ينالكم بعد ما كان ذا حظر و حجر و منع عنكم و وجه قراءة من قرأ «يحل عليكم غضبي» أن الغضب لما كان تتبعه العقوبة و العذاب جعله بمنزلة العذاب فقال يحل أي ينزل فجعله بمنزلة قولهم حل بالمكان يحل و على هذا جاء تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم فكما أن هذا عذاب قد أخبر عنه بأنه يحل كذلك أخبر عن الغضب بمثله و جعله بمنزلته لأنه يتبعه و يتصل به.

اللغة

اليبس اليابس و جمعه أيباس و جمع اليبس بسكون الباء يبوس قال الكميت

{فما زدته إلا يبوسا و ما أرى --- لهم رحما و الحمد لله}

توصل قال أبو زيد حل عليه أمر الله يحل حلولا و حل الدار يحلها و لا و حل العقدة يحلها حلا و حل له الصوم يحل حلا و أحله الله إحلالا و حل عليه حقي يحل محلا و أحل الرجل من إحرامه إحلالا و حل يحل حلا و الأسف أشد الغضب و يكون أيضا بمعنى الحزن.

الإعراب

«هم أولاء» مبتدأ و خبر و يجوز أن يكون أولاء بدلا من هم و يكون «على أثري» في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ و على الوجه الأول يجوز أن يكون «على أثري» في موضع نصب على الحال و العامل فيه معنى الإشارة في أولاء و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن حال بني إسرائيل فقال «و لقد أوحينا إلى موسى» بعد ما رأى فرعون من الآيات فلم يؤمن هو و لا قومه «أن أسر بعبادي» أي سر بهم ليلا من أرض مصر «فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا» أي اجعل لهم طريقا في البحر يابسا بضربك العصا لينفلق البحر فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى فكأنه قد ضرب الطريق كما يضرب الدينار «لا تخف دركا و لا تخشى» أي لا تخاف أن يدركك فرعون من خلفك و لا تخشى من البحر غرقا و من قرأ لا تخف بالجزم فمعناه لا تخف أن يدركك فرعون و أنت لا تخشى شيئا من أمر البحر مثل قوله يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون و يجوز أن يكون في موضع الجزم على نحو ما ذكرناه في الحجة «فأتبعهم فرعون بجنوده» معناه ألحق جنوده بهم و بعث بجنوده خلفهم و في أثرهم و في الكلام حذف الهم فعلوا ذلك فدخل موسى و قومه البحر ثم اتبعهم فرعون بجنوده «فغشيهم من اليم ما غشيهم» أي جاءهم من البحر ما جاءهم و لحقهم منه ما لحقهم و فيه تعظيم للأمر و معناه غشيهم الذي عرفتموه و سمعتم به و مثله قول أبي النجم

أنا أبو النجم و شعري شعري أي شعري الذي سمعت به و علمته أي هلك فرعون و نجي موسى هذا كان عاقبة أمرهم فليعتبر المعتبرون بهم «و أضل فرعون قومه و ما هدى» أي صرفهم عن الهدى و الحق و ما هداهم إلى الخير و الرشد و طريق النجاة و إنما قال «و ما هدى» بعد قوله «أضل» ليتبين أنه استمر على ذلك و ما زال يضلهم و لا يهديهم و حسن حذف المفعول لمكان رأس الآية و إنما قال سبحانه تكذيبا لقول فرعون لقومه و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد ثم خاطب سبحانه بني إسرائيل و عدد نعمه عليهم فقال «يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم» فرعون بمرأى منكم «و واعدناكم جانب الطور الأيمن» و هو أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون ليأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة فيها بيان الشرائع و الأحكام و ما يحتاجون إليه «و نزلنا عليكم المن و السلوى» يعني في التيه و قد مر بيان ذلك في سورة البقرة «كلوا من طيبات ما رزقناكم» صورته صورة الأمر و المراد به الإباحة «و لا تطغوا فيه» أي فلا تتعدوا فيه فتأكلوه على الوجه المحرم عليكم و قيل إن المعنى لا تتجاوزوا عن الحلال إلى الحرام و قيل معناه لا تتناولوا من الحلال للاستعانة به على المعصية «فيحل عليكم غضبي» أي فيجب عليكم عقوبتي و من ضم الحاء فالمعنى فينزل عليكم عقوبتي «و من يحلل عليه غضبي فقد هوى» أي هلك لأن من هوى من علو إلى سفل فقد هلك و قيل فقد هوى إلى النار قال الزجاج فقد صار إلى الهاوية «و إني لغفار» و هو فعال من المغفرة «لمن تاب» من الشرك «و آمن» بالله و رسوله «و عمل صالحا» أي

أدى الفرائض «ثم اهتدى» أي ثم لزم الإيمان إلى أن يموت و استمر عليه و قيل ثم لم يشك في إيمانه عن ابن عباس و قيل ثم أخذ بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لم يسلك سبيل البدعة عن ابن عباس أيضا و الربيع بن أنس و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت (عليهم السلام) فو الله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن و المقام ثم مات و لم يجيء بولايتنا لأكبه الله في النار على وجهه رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده و أورده العياشي في تفسيره من عدة طرق «و ما أعجلك عن قومك يا موسى» قال ابن إسحاق كانت المواعدة أن يوافي الميعاد هو و قومه و قيل مع جماعته من وجوه قومه و هو متصل بقوله «واعدناكم جانب الطور الأيمن» فتعجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه و خلفهم ليلحقوا به فقيل له ما أعجلك عن قومك يا موسى أي بأي سبب خلفت قومك و سبقتهم و جئت وحدك «قال» موسى في الجواب «هم أولاء على أثري» أي هؤلاء من ورائي يدركونني عن قريب و قيل معناه هم على ديني و منهاجي عن الحسن و روي عنه أيضا أنه قال هم ينتظرون من بعدي ما الذي آتيهم به و ليس يريد أنهم يتبعونه «و عجلت إليك رب لترضى» أي سبقتهم إليك حرصا على تعجيل رضاك أي لازداد رضا إلى رضاك «قال» الله تعالى «فإنا قد فتنا قومك» أي امتحناهم و شددنا عليهم التكليف بما حدث فيهم من أمر العجل فألزمناهم عند ذلك النظر ليعلموا أنه ليس بإله كما قال سبحانه «ألم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون» «من بعدك» أي من بعد انطلاقك «و أضلهم السامري» أي دعاهم إلى الضلال فقبلوا منه و ضلوا عند دعائه فأضاف الضلال إلى السامري و الفتنة إلى نفسه ليدل سبحانه على أن الفتنة غير الضلال و قيل إن معنى فتنا قومك عاملناهم معاملة المختبر المبتلي ليظهر لغيرنا المخلص منهم من المنافق فيوالي المخلص و يعادي المنافق «فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا» أي رجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل شديد الغضب حزينا عن ابن عباس و قيل جزعا عن مجاهد و قيل متحسرا متلهفا على ما فاته لأنه خشي أن لا يمكنه تدارك أمر قومه عن الجبائي «قال يا قوم أ لم يعدكم ربكم وعدا حسنا» أي صدقا لإيتاء الكتاب و هو التوراة لتعلموا ما فيه و تعلموا به فتستحقوا الثواب عن الجبائي و قيل الوعد الحسن هو ما وعدهم به من النجاة من فرعون و مجيئهم إلى جانب الطور و وعده بالمغفرة لمن تاب و قيل هو ما وعدهم به في الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا عن الحسن «أ فطال عليكم العهد» أي مدة مفارقتي إياكم «أم أردتم أن يحل عليكم» أي يجب عليكم «غضب من ربكم» بعبادتكم العجل و المعنى أم أردتم أن تصنعوا صنعا يكون سببا لغضب ربكم «فأخلفتم موعدي» أي ما وعدتموه لي من حسن الخلافة بعدي و يبين ذلك قوله بئسما خلفتموني من بعدي و قيل إن إخلافهم موعده أنه

أمرهم اللحاق به فتركوا المسير على إثره للميقات و قيل هو أنه أمرهم أن يتمسكوا بطريقة هارون و طاعته و يعملوا بأمره إلى أن يرجع فخالفوه.