۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٧٥

التفسير يعرض الآيات ٦٧ إلى ٧٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧ قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨ وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩ فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠ قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١ قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣ إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤ وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَأَوْجَس فى نَفْسِهِ خِيفَةً مّوسى (67) قُلْنَا لا تخَف إِنّك أَنت الأَعْلى (68) وَ أَلْقِ مَا فى يَمِينِك تَلْقَف مَا صنَعُوا إِنّمَا صنَعُوا كَيْدُ سحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيْث أَتى (69) فَأُلْقِىَ السحَرَةُ سجّداً قَالُوا ءَامَنّا بِرَب هَرُونَ وَ مُوسى (70) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِى عَلّمَكُمُ السحْرَ فَلأُقَطعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكم مِّنْ خِلَفٍ وَ لأُصلِّبَنّكُمْ فى جُذُوع النّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنّ أَيّنَا أَشدّ عَذَاباً وَ أَبْقَى (71) قَالُوا لَن نّؤْثِرَك عَلى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَ الّذِى فَطرَنَا فَاقْضِ مَا أَنت قَاضٍ إِنّمَا تَقْضى هَذِهِ الحَْيَوةَ الدّنْيَا (72) إِنّا ءَامَنّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطيَنَا وَ مَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحْرِ وَ اللّهُ خَيرٌ وَ أَبْقَى (73) إِنّهُ مَن يَأْتِ رَبّهُ مجْرِماً فَإِنّ لَهُ جَهَنّمَ لا يَمُوت فِيهَا وَ لا يحْيى (74) وَ مَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصلِحَتِ فَأُولَئك لهَُمُ الدّرَجَت الْعُلى (75) جَنّت عَدْنٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِك جَزَاءُ مَن تَزَكى (76)

القراءة

قرأ ابن ذكوان تلقف بالرفع و الباقون بالجزم إلا أن حفصا يقرؤها خفيفة و الآخرون مشددة و ابن كثير برواية البزي و ابن فليح يشدد التاء أيضا و قرأ كيد سحر بغير ألف أهل الكوفة غير عاصم و الباقون ساحر بالألف.

الحجة

من قرأ تلقف بالرفع فإنه يرتفع لأنه في موضع الحال و الحال يجوز أن يكون من الفاعل الملقي أو المفعول الملقى فإن جعلته من الفاعل جعلته من المتلقف و إن كان التلقف في الحقيقة للعصا لأن التلقف كان بإلقائه فجاز أن ينسب إليه و إن جعلته من المفعول فإنه أنث على المعنى لأن الذي في يمينه عصا و مثل ذلك في أن يكون مرة للخطاب و مرة للمؤنث قوله «يومئذ تحدث أخبارها» فهذا يكون على تحدث أنت أيها الإنسان و على أن الأرض تحدث و أما تلقف بالجزم فعلى أن يكون جوابا كأنه قال إن تلقه تلقف و تلقف و من شدد التاء فإنما أراد تتلقف و هذا يكون على تتلقف أنت أيها المخاطب و على تتلقف هي إلا أنه أدغم التاء الأولى في التاء الثانية و الإدغام في هذا ينبغي أن لا يكون جائزا لأن المدغم يسكن و إذا سكن لزم أن يجلب له همزة الوصل كما جلبت في أمثلة الماضي نحو ادرأتم و ازينت و اطيروا و همزة الوصل لا تدخل على المضارع قال و سألت أحمد بن موسى كيف يبتدىء من أدغم فقال كلاما معناه أنه يصير بالابتداء إلى قول من خفف و يدع الإدغام و من قرأ كيد ساحر فلأن الكيد للساحر في الحقيقة و ليس للسحر إلا أن يريد كيد ذي سحر فيكون في المعنى مثل كيد ساحر و الاختلاف بين القراء في آمنتم و الوجه في ذلك ذكرناه في سورة الأعراف.

اللغة

يقال لقفت الشيء و تلقفته و التقفته إذا أخذته بسرعة قال الكسائي الصبي في

الحجاز إذا جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري و الكبير في اللغة الرئيس و لهذا يقال للمعلم الكبير و الإيثار الاختيار و التزكي طلب الزكاء و الزكاء النماء في الخبر و منه الزكاة لأن المال ينمو بها.

الإعراب

إن مفصول من «ما صنعوا» لأن ما هاهنا موصولة و صنعوا صلته و يجوز أن يكون الموصول اسما بمعنى الذي و يكون العائد من الصلة إلى الموصول محذوفا و يجوز أن يكون حرفا فيكون تقديره أن صنعهم و الفرق بين آمنتم به و آمنتم له أن آمنتم به بالباء هو من الإيمان الذي هو ضد الكفر و آمنتم له بمعنى التصديق «من خلاف» يحتمل أن يكون من بمعنى عن أي عن خلاف و يحتمل أن يكون بمعنى على خلاف فيكون الجار و المجرور في موضع نصب على الحال «في جذوع النخل» في بمعنى على و إنما جاز ذلك لأن الجذع قد اشتمل عليهم و قد صاروا فيها قال الشاعر

{هم صلبوا العبدي في جذع نخلة --- فلا عطست شيبان إلا بأجدعا}

«أينا أشد عذابا و أبقى» تعليق و معنى التعليق أن عملت تعمل في المعنى و لا تعمل في اللفظ و «الذي فطرنا» موضعه جر عطف على ما جاءنا «فاقض ما أنت قاض» يجوز أن يكون ما مصدرية في تقدير الظرف أي فاقض القضاء مدة كونك قاضيا و يجوز أن يكون ما مفعوله أي فاقض ما أنت قاضيه فحذف الهاء «إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» حذف المضاف و تقديره إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا و يجوز أن يكون تقديره إنما تقضي مدة هذه الحياة الدنيا و هذه على القول الأول منصوبة مفعول بها و على الثاني منصوبة على الظرف و يجوز أن يكون الواو للقسم.

«جنات عدن» يجب أن يكون بدلا من الدرجات و لا يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف لأن قوله «خالدين فيها» نصب على الحال من قوله لهم ذو الحال الضمير المجرور باللام فعلى هذا لا يجوز الوقف على «الدرجات العلى» و الدرجات مرتفع بالظرف بلا خلاف بينهم لأن الظرف جرى خبرا على المبتدأ و هو أولئك و اعتمد عليه فيرتفع ما بعده.

المعنى

«فأوجس في نفسه خيفة موسى» معناه فأحس موسى و وجد في نفسه ما يجده الخائف و يقال أوجس القلب فزعا أي أضمر و السبب في ذلك أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهموا أنهم فعلوا مثل فعله و يظنوا المساواة فيشكوا و لا يتبعونه عن الجبائي

###

و قيل إنه خوف الطباع إذا رأى الإنسان أمرا فظيعا فإنه يحذره و يخافه في أول وهلة و قيل إنه خاف أن يتفرق الناس قبل إلقائه العصا و قبل أن يعلموا ببطلان السحرة فيبقوا في شبهة و قيل إنه خاف لأنه لم يدر أن العصا إذا انقلبت حية هل تظهر المزية لأنه لا يعلم أنها تتلقفها فكان ذلك موضع خوف لأنها لو انقلبت حية و لم تتلقف ما يأفكون ربما ادعوا المساواة لا سيما و الأهواء معهم و الدولة لهم فلما تلقفت زالت الشبهة و تحقق عند الجميع صحة أمر موسى و بطلان سحره «قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى» عليهم بالظفر و الغلبة «و ألق ما في يمينك» يعني العصا «تلقف ما صنعوا» أي تبتلع ما صنعوا فيه من الحبال و العصي لأن الحبال و العصي أجسام ليست من صنعهم قالوا و لما ألقى عصاه صارت حية و طافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم ثم قصدت الحبال و العصي فابتلعتها كلها على كثرتها ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت «إنما صنعوا كيد ساحر» أي إن الذي صنعوه أو أن صنيعهم كيد ساحر أي مكره و حيلته «و لا يفلح الساحر» أي لا يظفر الساحر ببغيته إذ لا حقيقة للسحر «حيث أتى» أي حيث كان من الأرض و قيل لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره لأن الحق يبطله «فألقي السحرة سجدا» هاهنا محذوف و هو فألقى عصاه و تلقف ما صنعوا فألقي السحرة سجدا أي سجدوا «و قالوا آمنا برب هارون و موسى» أضافوه سبحانه إليهما لدعائهما إليه و كونهما رسولين له «قال» فرعون للسحرة «آمنتم له» أي لموسى و المعنى قد صدقتم له «قبل أن آذن لكم» أي من غير إذني لأنه بلغ من جهله أنه لا يعتقد دين إلا بإذنه و الفرق بين الإذن و الأمر أن في الأمر دلالة على إرادة الآمر الفعل المأمور به و ليس في الإذن ذلك و قوله «فإذا حللتم فاصطادوا» إذن و قوله «أقيموا الصلاة» أمر «إنه لكبيركم الذي علمكم السحر» معناه أنه لأستاذكم و أنتم تلامذته و قد يعجز التلميذ عما يفعله الأستاذ و قيل إنه لرئيسكم و متقدمكم و أنتم أشياعه و أتباعه ما عجزتم عن معارضته و لكنكم تركتم معارضته احتشاما له و احتراما و إنما قال ذلك ليوهم العوام أن ما أتوا به إنما هو لتواطؤ من جهتهم ليصرفوا وجوه الناس إليهم «فلأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف» أي أيديكم اليمني و أرجلكم اليسرى «و لأصلبنكم في جذوع النخل» أي على جذوع النخل «و لتعلمن» أيها الحسرة «أينا أشد عذابا» لكم «و أبقى» و أدوم أنا على إيمانكم أم رب موسى على ترككم الإيمان به «قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات» أي لن نفضلك و لن نختارك على ما أتانا من الأدلة الدالة على صدق موسى و صحة نبوته و المعجزات التي تعجز عنها قوى البشر «و الذي فطرنا» أي و على الذي فطرنا أي خلقنا و قيل معناه لن نؤثرك و الله الذي فطرنا على ما جاءنا من البينات و ما ظهر لنا من الحق «فاقض ما أنت قاض» أي فاصنع ما أنت صانعه

على إتمام و إحكام و قيل معناه فاحكم ما أنت حاكم و ليس هذا بأمر منهم و لكن معناه أي شيء صنعت فإنا لا نرجع عن الإيمان «إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» أي إنما تصنع بسلطانك أو تحكم في هذه الحياة الدنيا دون الآخرة فلا سلطان لك فيها و لا حكم و قيل معناه إنما تقضي و تذهب هذه الحياة الدنيا دون الحياة الآخرة «إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا» من الشرك و المعاصي «و ما أكرهتنا عليه من السحر» إنما قالوا ذلك لأن الملوك كانوا يجبرونهم على تعليم السحر كيلا يخرج السحر من أيديهم و قيل إن السحرة قالوا لفرعون أرنا موسى إذا نام فأراهم إياه فإذا هو نائم و عصاه تحرسه فقالوا ليس هذا بسحر إن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن يعملوا فذلك إكراههم عن عبد العزيز بن أبان «و الله خير و أبقى» أي و الله خير لنا منك و ثوابه أبقى لنا من ثوابك و قيل معناه و الله خير ثوابا للمؤمنين و أبقى عقابا للعاصين منك و هذا جواب لقوله «و لتعلمن أينا أشد عذابا و أبقى» و هاهنا انتهى الإخبار عن السحرة ثم قال الله سبحانه «إنه من يأت ربه مجرما» و قيل إنه من قول السحرة قال ابن عباس في رواية الضحاك المجرم الكافر و في رواية عطاء يعني الذي أجرم و فعل مثل ما فعل فرعون «فإن له جهنم لا يموت فيها» فيستريح من العذاب «و لا يحيي» حياة فيها راحة بل هو معاقب بأنواع العقاب «و من يأته مؤمنا» مصدقا بالله و بأنبيائه «قد عمل الصالحات» أي أدى الفرائض عن ابن عباس «فأولئك لهم الدرجات العلى» يعني درجات الجنة و بعضها أعلى من بعض و العلى جمع العليا و هي تأنيث الأعلى «جنات عدن» أي إقامة «تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك جزاء من تزكى» معناه أن الثواب الذي تقدم ذكره جزاء من تطهر بالإيمان و الطاعة عن دنس الكفر و المعصية و قيل تزكى طلب الزكاء بإرادة الطاعة و العمل بها.