۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة طه، آية ٦٢

التفسير يعرض الآيات ٥٧ إلى ٦٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧ فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨ قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١ فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢ قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣ فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥ قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالَ أَ جِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِك يَمُوسى (57) فَلَنَأْتِيَنّك بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَك مَوْعِداً لا نخْلِفُهُ نحْنُ وَ لا أَنت مَكاناً سوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَن يحْشرَ النّاس ضحًى (59) فَتَوَلى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كيْدَهُ ثمّ أَتى (60) قَالَ لَهُم مّوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْترُوا عَلى اللّهِ كذِباً فَيُسحِتَكم بِعَذَابٍ وَ قَدْ خَاب مَنِ افْترَى (61) فَتَنَزَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَ أَسرّوا النّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَنِ لَسحِرَنِ يُرِيدَانِ أَن يخْرِجَاكم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَ يَذْهَبَا بِطرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) فَأَجْمِعُوا كيْدَكُمْ ثمّ ائْتُوا صفّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ استَعْلى (64) قَالُوا يَمُوسى إِمّا أَن تُلْقِىَ وَ إِمّا أَن نّكُونَ أَوّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالهُُمْ وَ عِصِيّهُمْ يخَيّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنهَا تَسعَى (66)

القراءة

قرأ أبو جعفر لا نخلفه بالجزم و الباقون بالرفع و قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو و الكسائي سوى بكسر السين و الباقون بضمها و قرأ يوم الزينة بالنصب هبيرة عن حفص و هي قراءة الحسن و الأعمش و الثقفي و الباقون «يوم الزينة» بالرفع و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر و رويس «فيسحتكم» بضم الياء و كسر الحاء و الباقون فيسحتكم بفتح الياء و الحاء و قرأ أبو عمرو

أن هذين و قرأ ابن كثير و حفص «أن هذان» خفيف و قرأ الباقون أن هذان و ابن كثير وحده يشدد النون من هذان و قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الهمزة و فتح الميم و الباقون «فأجمعوا» بقطع الهمزة و كسر الميم و قرأ ابن عامر و روح و زيد تخيل إليه بالتاء و هو قراءة الحسن و الثقفي و الباقون «يخيل» بالياء.

الحجة و الإعراب

فأما قوله لا نخلفه بالجزم فإنه يكون على جواب الأمر و القراءة المشهورة بالرفع على أن يكون «لا نخلفه» في موضع النصب بكونه صفة لقوله «موعدا» و هو الظاهر و أما قوله «سوى» فإنه المكان النصف فيما بين الفريقين قال موسى بن جابر:

{وجدنا أبانا كان حل ببلدة --- سوى بين قيس قيس عيلان}

و الفزر قال أبو علي قوله «سوى» فعل من التسوية فكان المعنى مكانا مستويا مسافته على الفريقين فيكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر و هذا بناء يقل في الصفات و مثله قوم عدى فأما فعل فهو في الصفات أكثر قالوا دليل ختع و مال لبد و رجل حطم و أما انتصاب قوله «مكانا» فلا يخلو من أن يكون مفعولا للموعد أما على أنه مفعول به أو على أنه ظرف له أو يكون منتصبا بأنه المفعول الثاني و لا يجوز الأول و لا الثاني لأن الموعد قد وصف بالجملة التي هي لا نخلفه نحن و إذا وصف لم يجز أن يعمل عمل الفعل لاختصاصه بالصفة و لأنه إذا عطف عليه لم يجز أن يتعلق به بعد العطف عليه شيء منه و كذلك إذا أخبر عنه لم يجز أن يقع بعد الخبر عنه شيء يتعلق بالمخبر عنه لم يجز سيبويه هذا ضارب ظريف زيدا و لا هذا ضويرب زيدا إذا حقر اسم الفاعل لأن التحقير في تخصيصه الاسم بمنزلة إجراء الوصف عليه و قد جاء من ذلك شيء في الشعر قال بشر بن أبي حازم:

{إذا فاقد خطباء فرخين رجعت --- ذكرت سليمى في الخليط المباين}

و يحتمل ذلك على إضمار فعل آخر كما ذهبوا إليه في نحو قول الشاعر:

{إن العرارة و النبوح لدارم --- و المستخف أخوهم الأثقالا}

فإذا لم يجز ذلك كان مفعولا ثانيا لقوله «فاجعل» فيكون بمنزلة قوله «جعلوا القرآن عضين» و نحوه و أما يوم الزينة فمن نصبه فعلى الظرف كما تقول قيامك يوم الجمعة فالموعد إذا هنا مصدر و الظرف بعده خبر عنه قال ابن جني و هو عندي على حذف المضاف أي إن إنجاز موعدنا إياكم في ذلك اليوم أ لا ترى أنه لا يراد أنه في ذلك اليوم يعدكم لأن الموعد قد وقع الآن و إنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم لكن في قوله «و أن يحشر الناس ضحى» نظر و ظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال انتظروا موعدكم يوم الزينة و حشر الناس ضحى أي يوم هذا و لهذا فيكون أن يحشر معطوفا على الزينة و قد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد فكأنه قال إنجاز موعدكم و حشر الناس ضحى في يوم الزينة أي هذان الفعلان في يوم الزينة و أما من رفع «يوم الزينة» فإن الموعد عنده ينبغي أن يكون زمانا فكأنه قال وقت وعدكم يوم الزينة كقولنا مبعث الجيوش شهر كذا أي وقت بعثها حينئذ و العطف عليه بقوله «و أن يحشر الناس ضحى» يؤكد الرفع لأن أن لا يكون ظرفا بل هو حرف موصول في معنى المصدر و ينبغي أن يكون على حذف المضاف أي وقت وعدكم يوم الزينة و وقت حشر الناس ضحى كما أن قولك ورودك مقدم الحاج إنما هو على حذف المضاف أي وقت قدوم الحاج و أما قوله «فيسحتكم» فإن سحت و أسحت بمعنى قال الفرزدق:

{و عض زمان يا ابن مروان لم يدع --- من المال إلا مسحتا أو مجلف}

و فسر لم يدع على أنه بمعنى لم يبق و أما قوله إن هذان لساحران فمن قرأ بتشديد النون من إن و الألف من هذان فقد قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن إن بمعنى نعم و أنشدوا شعرا:

{بكر العواذل في الضحى --- يلحينني و ألومهنه} {و يقلن شيب قد علاك --- و قد كبرت فقلت إنه}

فعلى هذا يكون تقديره نعم هذان لساحران و هذا لا يصح لأن إن إذا كانت بمعنى نعم

ارتفع ما بعدها بالابتداء و الخبر و اللام لا يدخل على خبر مبتدإ جاء على أصله و أما ما أنشد في ذلك من قوله:

{خالي لأنت و من جرير خاله --- ينل العلاء و يكرم الأخوالا}

و قوله:

{أم الحليس لعجوز شهربة --- ترضى من اللحم بعظم الرقبة}

فمحمول على الشذوذ و الضرورة و أيضا فإن أبا علي قال ما قيل إن في الآية لا يقتضي أن يكون جوابه نعم لأنك إن جعلته جوابا لقول موسى (عليه السلام) ويلكم لا تفتروا على الله كذبا قالوا نعم هذان ساحران كان محالا و إن جعلته على تقدير فتنازعوا أمرهم بينهم و أسروا النجوى قالوا نعم هذان لساحران كان محالا أيضا ( و ثانيها ) ما قاله الزجاج أن تقديره نعم هذان لهما ساحران فاللام دخل على مبتدإ محذوف و هذا أيضا مثل الأول لما قلناه و لأن سيبويه قال نعم عدة و تصديق و أن يصرف إلى الناصبة للاسم أولى و هو قراءة أبي عمرو و عيسى بن عمرو قال أبو علي هذا الذي قاله الزجاج لا يتجه لأمرين ( أحدهما ) أن الذي حمله النحويون على الضرورة لا يمتنع أن يستمر هذا التأويل فيه و لم يحمله مع ذلك عليه ( و الآخر ) أن التأكيد باللام لا يتعلق به الحذف أ لا ترى أن الأوجه في الزينة أن تم الكلام و لا يحذف ثم يؤكد فليس باللائق في التدبر ( و ثالثها ) ما قاله المتقدمون من النحويين إن التقدير أنه هذان لساحران فحذف ضمير القصة و هذا أيضا فيه نظر من أجل دخول اللام في الخبر و لأن إضمار الهاء بعد إن إنما يأتي في ضرورة الشعر نحو قوله:

{إن من لام في بني بنت حسان --- ألمه و أعصه في الخطوب}

و قوله:

{إن من يدخل الكنيسة يوما --- يلق فيها جاذرا و ظباء}

( و رابعها ) ما قاله علي بن عيسى و هو أن إن لما كانت مشبهة بالفعل و ليست بأصل في العمل ألغيت هاهنا كما تلغى إذا خففت و هذا غير مستقيم أيضا لأن الإلغاء في إن ما رأيناه في غير هذا الموضع و أيضا فإنها قد أعملت مخففة في قوله تعالى «و إن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم» فكيف يجوز إلغاؤها في غير التخفيف و أيضا فقد أعمل اسم الفاعل و المصدر

لشبههما بالفعل و لا يجوز إلغاؤهما و أيضا فإن اللام يمنع من هذا التأويل لأن أن إذا ألغيت ارتفع ما بعدها بالابتداء و اللام لا يدخل على خبر المبتدأ على ما بيناه ( و خامسها ) إن هذه الألف ليست بألف التثنية و إنما هي ألف هذا زيدت عليها النون و هذا قول الفراء و هو غير صحيح فإنه لا يجوز أن يكون تثنية إلا و يكون لها علم و لو كان على ما زعم لم تنقلب هذه الألف ياء في حال الجر و النصب و يدل على أن هذه الألف للتثنية أن الألف التي كانت في الواحد قد حذفت كما حذفت الياء من الذي و التي إذا قلت اللذان و اللتان ( و سادسها ) و هو أجود ما قيل فيه أن يكون هذان اسم أن بلغة كنانة يقولون أتاني الزيدان و رأيت الزيدان و مررت بالزيدان قال بعض شعرائهم:

{واها لريا ثم واها واها --- يا ليت عيناها لنا و فاها} {و موضع الخلخال من رجلاها --- بثمن نعطي به أباها} {إن أباها و أبا أباها --- قد بلغا في المجد غايتاها}

و قال آخر:

{تزود منا بين أذناه طعنة --- دعته إلى هابي التراب عقيم}

و قال آخر:

{فأطرق إطراق الشجاع و لو يرى --- مساغا لناباه الشجاع لصما}

و يقولون ضربته بين أذناه و من يشتري الخفان و قيل أنها لغة لبني الحرث بن كعب و هذا القول اختيار أبي الحسن و أبي علي الفارسي و من قرأ أن هذين لساحران فهو صحيح مستقيم و زيف الزجاج هذه القراءة مخالفتها المصحف و قيل أنه احتج في مخالفته المصحف بما روي أنه من غلط الكاتب و يروون عن عثمان و عائشة أن في هذا القرآن غلطا تستقيمه العرب بالسنتها و هذا غير صحيح عند أهل النظر فإن أبا عمرو و من ذهب من القراء مذهبه لا يقرأ إلا بما أخذه من الثقات من السلف و لا يظن به مع علو رتبته أن يتصرف في كتاب الله من قبل نفسه فيغيره و من قرأ إن هذان بسكون النون من أن و الألف فقد قال الزجاج يقوي هذه القراءة قراءة أبي ما هذان إلا ساحران و روي عنه أيضا أن هذان إلا ساحران و هذا يدل على أنه جعل اللام بمنزلة إلا و العجب أنه بصري المذهب و البصريون ينكرون مجيء اللام بمعنى إلا قالوا

###

لو كان كذلك لجاز أن تقول جاءني القوم لزيدا بمعنى إلا زيدا فالوجه الصحيح فيه أنه جعل أن هذه مخففة من الثقيلة و أضمر فيها اسمها و رفع ما بعدها على الابتداء و الخبر و جعل الجملة خبر إن و إذا كانت إن مخففة من الثقيلة لزمتها اللام ليكون فرقا بينها و بين أن النافية و أما تشديد النون في قول ابن كثير ففيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون عوضا من ألف هذا التي سقطت من أجل حرف التثنية ( و الآخر ) أن يكون للفرق بين النون التي تدخل على المبهم و النون التي تدخل على المتمكن و ذلك أن هذه إنما وجدت مشددة مع المبهم و أما قوله «فاجمعوا كيدكم» قال أبو الحسن إنما يقولون بالقطع إذا قالوا أجمعوا على كذا فأما إذا قالوا أجمعوا أمركم و أجمعوا كيدكم فلا يقولون إلا بالوصل قال و بالقطع أكثر القراء قال فأما أن يكون لغة في هذا المعنى لأن باب فعلت و أفعلت كثير و أن يكون أجمعوا على كذا ثم قال كيدكم على أمر مستأنف قال أبو علي فإن قيل فقد تقدم ذكر قوله «فجمع كيده» فإذا قيل فاجمعوا كيدكم كان تكريرا قيل لا يكون كذلك لأن ذلك في قصة و هذا في أخرى ذاك إخبار عن فرعون في جمعه كيده و سحره و هذا فيما يتواصى به السحرة في جمع كيدهم و يشبه أن يكون ذلك على لغتين كما ظنه أبو الحسن قال الشاعر:

{و أنتم معشر زيدوا على مائة --- فاجمعوا أمركم طرا فكيدوني}

فقوله «فاجمعوا أمركم» بمنزلة فاجمعوا كيدكم لأن كيدهم من أمرهم و أما قوله «يخيل إليه» فمن قرأ بالياء فإنه فعل فارغ و فاعله قوله «إنها تسعى» و من قرأ بالتاء فعلى هذا يكون فاعله الضمير المستكن فيه العائد إلى الحبال و العصي و أنها تسعى في محل الرفع لأنه بدل من ذلك الضمير و هو بدل الاشتمال و يجوز أن يكون موضعه على هذه القراءة نصبا أيضا على معنى يخيل إليه كونها ذات سعي.

المعنى

ثم حكى سبحانه عن فرعون أنه نسب موسى إلى السحر تلبيسا على قومه بأن قال «أ جئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى» أي من أرض مصر «فلناتينك بسحر مثله» أي مثل ما أتيت به «فاجعل بيننا و بينك موعدا لا نخلفه نحن و لا أنت مكانا سوى» أي اضرب بيننا و بينك موعدا مكانا يعد لحضورنا ذلك المكان لا يقع منا في حضوره خلاف ثم وصف المكان بأنه تستوي مسافته على الفريقين و مكانا بدل عن موعد و قيل مكانا سوى أي عدلا بيننا و بينك عن قتادة و قيل منصفا بكون النصف بيننا و بينك عن مجاهد «قال» موسى «موعدكم يوم الزينة» و كان يوم لهم فسمي يوم الزينة لأن الناس يتزينون فيه و يزينون به الأسواق عن مجاهد و قتادة و السدي «و أن يحشر الناس ضحى» يعني ضحى ذلك اليوم و يريد بالناس أهل مصر بقول يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري و أمرك فيكون

ذلك أبلغ في الحجة و أبعد من الشبهة قال الفراء يقول إذ رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد قال و جرت عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم «فتولي فرعون» أي انصرف و فارق موسى على هذا الوعد «فجمع كيده» أي حيلته و مكره و ذلك جمع السحرة «ثم أتى» أي حضر الموعد «قال لهم موسى» أي قال للسحرة لأنهم أحضروا ما عملوا من السحر ليقابلوا بمعجزة موسى فوعظهم فقال «ويلكم» و هي كلمة وعيد و تهديد معناه ألزمكم الله الويل و العذاب و يجوز أن يكون على النداء نحو يا ويلتا فيكون الدعاء بالويل عليهم و قيل إن ويلكم كلمتان تقديرهما وي لكم فيكون مبتدأ و خبرا أو يكون ويلكم بمنزلة أتعجب لكم «لا تفتروا على الله كذبا» أي لا تشركوا مع الله أحدا عن ابن عباس و قيل لا تكذبوا على الله بأن تنسبوا معجزاتي إلى السحر و سحركم إلى أنه حق و بأن تنسبوا فرعون إلى أنه إله معبود «فيسحتكم» أي يستأصلكم «بعذاب» عن قتادة و السدي و قيل يهلككم عن ابن عباس و الكلبي و مقاتل و الجبائي و أصل السحت استقصاء الخلق يقال سحت شعره إذا استأصله و سحته الله و أسحته إذا استأصله و أهلكه «و قد خاب من افترى» أي خسر من كذب على الله و نسب إليه باطلا عن قتادة انقطع رجاء من كذب على الله عن ثوابه و جنته «فتنازعوا أمرهم بينهم» أي تشاور القوم و تفاوضوا في حديث موسى و هارون و فرعون و جعل كل واحد منهم ينازع لكلام صاحبه و قيل تشاورت السحرة فيما هيئوه من الحبال و العصي و فيمن يبتدىء بالإلقاء «و أسروا النجوى» يعني أن السحرة أخفوا كلامهم و تناجوا فيما بينهم سرا من فرعون فقالوا إن غلبنا موسى اتبعناه عن الفراء و الزجاج و قيل إن موسى لما قال لهم «ويلكم لا تفتروا على الله كذبا» قال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر و أسر بعضهم إلى بعض يتناجون عن محمد بن إسحاق و قيل أسروا النجوى بأن «قالوا» إن كان هذا ساحرا فسنغلبه و إن كان من السماء فله أمره عن قتادة و قيل تناجوا مع فرعون و أسروا عن موسى و هارون قولهم «إن هذان» لساحران عن الجبائي و أبي مسلم إن هذان يعني موسى و هارون «لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما» قاله فرعون و جنوده للسحرة و يريدون بالأرض أرض مصر «و يذهبا بطريقتكم المثلى» هي تأنيث الأمثل و هو الأفضل و هو الأشبه بالحق يقال فلان أمثل قومه أي أشرفهم و أفضلهم و المعنى يريدان أن يصرفا وجوه الناس إليهما عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و قيل إن طريقتهم المثلى بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا و أموالا أي يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم عن قتادة و أكثر المفسرين و قيل يذهبا بطريقتكم التي أنتم عليها في السيرة و الدين عن الجبائي و أبي مسلم و ابن زيد «فاجمعوا كيدكم» أي لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به «ثم ائتوا صفا»

أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم و أشد لهيبتكم عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قيل ثم ائتوا موضع الجمع و يسمى المصلى الصف عن أبي عبيدة و المعنى ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم و صلاتكم «و قد أفلح اليوم من استعلى» أي و قد سعد اليوم من غلب و علا عن ابن عباس قال بعضهم إن هذا من قول فرعون للسحرة و قال آخرون بل هو قول بعض السحرة لبعض «قالوا يا موسى إما أن تلقي و أما أن نكون أول من ألقى» هذا قول السحرة خيروه بين أن يلقوا أولا ما معهم أو يلقي موسى عصاه ثم يلقون ما معهم «قال» موسى «بل ألقوا» أنتم ما معكم أمرهم بالإلقاء أولا ليكون معجزة أظهر إذا ألقوا ما معهم ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك و هاهنا حذف أي فألقوا ما معهم «فإذا حبالهم و عصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى» الضمير في إليه راجع إلى موسى و قيل إلى فرعون أي يرى الحبال من سحرهم أنها تسير و تعدو مثل سير الحيات و إنما قال يخيل إليه لأنها لم تكن تسعى حقيقة و إنما تحركت لأنهم جعلوا داخلها الزئبق فلما حميت الشمس طلب الزئبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى.